مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٢٧ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
قال: صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده و احذر عليه اليهود فو اللّه لئن رأوه و عرفوا منه ما عرفت ليبغينه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم. فأسرع به إلى بلاده فخرج به أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
و خرّج الترمذي و حسّنه و الحاكم و صححه و البيهقي و أبو نعيم و الخرائطي و ابن عساكر في حديث أبي موسى السابق صدره أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله ٧ فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: إن هذا النبي- أي الذي بشّر به في كتبنا- خارج في هذا الشهر- أي إلى السفر- فلم يبق طريق إلّا بعث إليها بأناس، قال: أ فرأيتم أمرا أراد اللّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟
قالوا: لا، قال: فبايعوه- أي بحيرى- على مسالمة النبي صلى اللّه عليه و سلم و أقاموا معه- أي مع بحيرى- خوفا على أنفسهم إذا رجعوا لملكهم بدونه فقام بحيرى و قال لأبي طالب و من معه: أنشدكم باللّه أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب ثم خرج صلى اللّه عليه و سلم مرة ثانية إلى الشام فلما بلغ عشرين سنة مع أبي بكر الصديق و هو ابن ثمان عشرة سنة لتجارة فذهبا حتى نزلا منزلا فيه سدرة فقعد ٧ في ظلها و مضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة، قال: محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، قال: هذا و اللّه نبي ما استظلّ تحتها بعد عيسى ٧ إلّا محمد. و وقع في قلب أبي بكر التصديق. فلما بعث النبي صلى اللّه عليه و سلم اتبعه، أخرجه ابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس قال الحافظ ابن حجر: إن هذه السفرة غير سفرته مع أبي طالب لأن تلك كانت و هو ابن ست عشرة سنة و هذه و هو ابن عشرين سنة، و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم خمسا و عشرين سنة خرج إلى الشام مرة ثالثة و معه ميسرة غلام خديجة و كانت خديجة تاجرة ذات شرف و مال كثير و تجارة تبعث بها إلى الشام فتكون عيرها كعامة عير قريش و كانت تستأجر الرجال و تدفع إليهم المال مضاربة و كانت قريش قوما تجارا و من لم يكن منهم تاجرا فليس عندهم بشيء.
روى الواقدي أن أبا طالب قال: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي و قد اشتد الزمان علينا و ليس لنا مادة و لا تجارة و هذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام و خديجة تبعث رجالا من قومك يتجرون في مالها و يصيبون منافع فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك، و إن كنت أكره أن تأتي الشام و أخاف عليك من اليهود، و لكن لا نجد من ذلك بدا. فقال صلى اللّه عليه و سلم: لعلها ترسل إليّ في ذلك. فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له فأرسلت إليه و قالت: دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك و عظم أمانتك و كرم أخلاقك و أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك. فذكر ذلك صلى اللّه عليه و سلم لعمه فقال: إن هذا لرزق ساقه اللّه إليك. فخرج صلى اللّه عليه و سلم و معه ميسرة حتى بلغ سوق