مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٠٦ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
المقربين أهل الصدق و الوفاء، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر و الفخر المصون، فقد خصصها اللّه تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب لأنها أفضل قومها حسبا و أنجب و أزكاهم أخلاقا و فرعا و أطيب.
و قال سهل بن عبد اللّه التستري فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ: لما أراد اللّه خلق محمد صلى اللّه عليه و سلم في بطن آمنة ليلة رجب و كانت ليلة جمعة أمر اللّه تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس و نادى مناد في السماء و الأرض: ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه و يخرج إلى الناس بشيرا و نذيرا.
و في رواية كعب الأحبار أنه نودي تلك الليلة في السماء و صفاحها و الأرض و بقاعها: أن النور المكنون الذي منه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في بطن آمنة، فيا طوبى لها ثم يا طوبى. و أصبحت يومئذ أصنام الدنيا منكوسة و كانت قريش في جدب شديد و ضيق عظيم فاخضرت الأرض و حملت الأشجار و أتاهم الرفد من كل جانب فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سنة الفتح و الابتهاج.
و في حديث ابن إسحاق: أنّ آمنة كانت تحدث أنها أتيت حين حملت بالنبي صلى اللّه عليه و سلم فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمّة. و قالت أيضا- كما رواه ابن إسحاق-: ما شعرت بأني حملت به و لا وجدت ثقلا و لا وحما بسببه إلا أني أنكرت رفع حيضتي و أتاني آت و أنا بين النائمة و اليقظانة فقال: هل شعرت بأنك حملت بسيد الأنام؟ ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال: قولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا. و في رواية للبيقهي: أعيذيه بالواحد من شرّ كل حاسد في كل بر عاهد و كل عبد رائد يرود غير رائد فإنه عبد حميد ماجد حتى أراه أثر المشاهد.
و روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة و قالت: حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و رب الكعبة و هو إمام الدنيا و سراج أهلها. و لم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا و فرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارة، و كذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا، و له في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض و نداء في السماء أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم صلى اللّه عليه و سلم ميمونا مباركا.
عن يحيى بن عائذ قال: بقي النبي صلى اللّه عليه و سلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا و لا مغصا و لا ريحا و لا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، و كانت تقول: و اللّه ما رأيت من حمل هو أخف منه و لا أعظم بركة. و لما تم لها من حملها شهران- على الأرجح المشهور- توفي أبوه سيدنا عبد اللّه و كان قد رجع ضعيفا مع قريش لما رجعوا