مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٦ - الأنبياء و سيد الخلائق
أعظم المخصوصين لديه و المتعلّقين بأذياله
هذا و إن اللّه تعالى الّذي دبّر و حكم و قضى على خلقه بالوجود بعد العدم، لمّا أراد أن يخلق الأكوان و أن يوجد منها ما يكون أو كان على صورة حكمته كما سبق في سابق أزليته، ابتدأ منها بخلق الحقيقة الأحمدية من الأنوار الأحدية الصمدية فقبض قبضة من نوره و قال لها: كوني محمّدا نبيّا رءوفا عطوفا ممجّدا، فصارت عمودا من نور يسبّح اللّه تعالى و يمجّده قبل ظهور الظّهور، ثمّ إنّه سبحانه أفاض عليه و هو في سرّ الغيب سجال العطايا و منحه ما لا يعدّ و لا يحصى من الماثر و الخصائص و المزايا، ثمّ سلخ منه العوالم و أمدّ منه المكوّنات و سائر المعالم، فكان صلّى اللّه عليه و سلّم لذلك أصل الموجودات و عنصر جميع المخلوقات و أساسا استند إليه كلّ حي و نورا خلق من نوره كلّ شيء.
و قد روى عبد الرزاق في مصنّفه و البيهقي، و لكن ببعض مخالفة عن جابر بن عبد اللّه عنهما، قال: قلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي أخبرني عن أوّل شيء خلقه اللّه تعالى قبل الأشياء، قال: «يا جابر إن اللّه عزّ و جلّ خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره، أي من نور خلقه و أضافه إلى نفسه تشريفا له فجعل ذلك النّور يدور- أي يتردد- و ينتقل في عالم الملكوت بالقدرة حيث شاء اللّه و لم يكن في ذلك الوقت لوح و لا قلم و لا جنّة و لا نار و لا ملك و لا سماء و لا أرض و لا شمس و لا قمر و لا جنّي و لا إنسي، فلمّا أراد اللّه تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النّور- أي اقتبس منه- أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم و من الثاني اللوح و من الثالث العرش ثم قسّم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأوّل حملة العرش، و من الثّاني الكرسي، و من الثّالث باقي الملائكة. ثمّ قسّم الرّابع أربعة أجزاء فخلق من الأوّل السّماوات، و من الثّاني الأرضين، و من الثالث الجنّة و النّار، ثمّ قسم الرّابع أربعة أجزاء فخلق من الأوّل نور أبصار المؤمنين، و من الثّاني نور قلوبهم و هو المعرفة باللَّه، و من الثّالث نور أنفسهم و هو التوحيد لا إله إلا اللّه محمّد رسول اللّه» الحديث.
و في حديث سيدنا عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: «يا عمر أ تدري من أنا؟! أنا الذي خلق اللّه عزّ و جل قبل كلّ شيء نوري فسجد للَّه فبقي في سجوده سبعمائة عام، فأوّل كلّ شيء سجد للّه نوري و لا فخر، يا عمر أ تدري من أنا؟! أنا الّذي خلق اللّه العرش من نوري، و الكرسي من نوري، و اللّوح من نوري، و القلم من نوري، و نور الأبصار من نوري، و العقل الذي في رءوس الخلق من نوري، و نور المعرفة في قلوب المؤمنين من نوري و لا فخر».
و في سيرة الحلبي نقلا عن كتاب «التشريفات في المناقب و المعجزات» عن أبي