مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٤٥ - مولد المناوي
و ذلك أن أبرهة بنى كنيسة و زيّنها بأنواع الزّمرد و اليواقيت النّفيسيّة و زعم أنها كبيت مكة و أراد أن تحجّها العرب في كل عام، فأغاظه نفر من القبائل الحجازيّة، فاشتدّ غضبه لذلك فلما أصبح أصبح و هو في كربة و اغتمام، فجمع جندا يزيد عن ستّين ألفا من الفئة الجاهليّة و بعث معهم فيلا و أرسلهم إلى مكة طالبين البيت العتيق للانهدام. فلما و صلوا إلى مكّة عجز الفيل فتخلّفوا عن دخول البلدة المحميّة، فإذا وجّهوه إلى أيّ جهة توجّه و إذا وجّهوه إلى مكّة برك فلم يستطع القيام. فلما رأوا ما حلّ بهم من سوء نيّتهم القبيحة، أخذوا ما لعبد المطلب من الأنعام، فجأه الخبر فدار نور محمد صلى اللّه عليه و سلم في جبينه كالدّائرة الهلاليّة، حتى أصبحت به أماكن مكّة كالمصابيح يزول منها الظلام، فتوجّه عبد المطلب إلى أمير القوم و معه بعض من السادة القرشيّة، و سأل الأمير في ردّ ماله فردّ عليه ما أخذه الأقوام. ثم قال له: لم لم تسأل عن البيت، فقال: المال مالي و للبيت ربّ يحميه بحمايته القويّة. فلما قصدوا هدمه أرسل اللّه عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل حتى شربوا كئوس الحمام، و بقي واحد منهم فتوجّه إلى ملكهم و قصّ عليه قصّتهم المحكية، فكان طائره على رأسه فأسقط الحجر عليه فمات و خصّ اللّه ملكهم بالبرص و الجذام، و ما زال في عقوبة إلى أن عجّل اللّه بروحه إلى الطبقات السعيريّة، و ألقاه في نار ذات عذاب شديد و انتقام، و نصر اللّه عبد المطلب ببركة نور محمّد سيّد البريّة، فعلا قدره و اشتهر فضله بين الأنام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و لما كان نور محمد صلى اللّه عليه و سلم في ظهر جدّه عبد المطلب كانت تفوح منه الرائحة المسكيّة، و كانت قريش يستسقون ببركته و يستنصرون به إذا أصابهم انهزام، فرأى في منامه سلسلة من فضّة خرجت من ظهره حتى بلغت العنانة السماويّة، ثم عادت شجرة خضراء فتعلّق بأغصانها جميع الأنام، فلما أصبح قصّ ما رآه على أهل المعرفة فعبّروها له بالمقالات الحسنيّة، و قالوا له: يخرج من ظهرك ولد تطيعه أهل السماوات و الأرض و يكون للناس القدوة و الإمام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
ثم أمر بحفر زمزم في المنام، فلما أصبح قصدها بهمّة عزميّة، فمنعته قريش عنها و واصلوا بينهم و بينه حبل الخصام، فتوجّهوا جميعا إلى من يفصل بينهم في هذه القضية، فأصابهم في طريقهم ظمأ شديد حتى أشرفوا على الهلاك في الجبال و الاكام، فتفرّقت