مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٨٦ - بلوغ القصد و المرام بقراءة مولد خير الأنام
المكنون، قد استقر في بطن آمنة المصون». و تبرقع عرش الرحمن بالوقار، و تدرّع كرسيّه بالفخار، و الجنان تزخرفت، و الحور من القصور أشرفت، و نودي: «يا رضوان افتح أبواب الجنان، و يا مالك أغلق أبواب النيران»، و لم تبق دابّة إلا نطقت تلك الليلة، و قالت: «حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ربّ الكعبة»، و هو إمام الدنيا و سراج أهلها، و لم تبق دار بالمدينة إلّا أشرقت، و لا ناحية إلا دخلها النور و ابتهجت. و فرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، و كذلك أهل البحار صار يبشّر بعضهم بعضا بظهور خير الأرض و السماوات.
و كانت قريش في جدب شديد، و ضيق عظيم مديد، فاخضرّت الأرض، طولها و العرض، و أتاهم الخير الكثير، و عمهم الرفد الغزير، و سمّيت تلك السنة سنة الفتح و الابتهاج لكونها حمل فيها بصاحب اللواء و التاج.
و أتى آمنة آت في المنام، و قال لها: أشعرت بأنك حملت بسيّد الأنام. ثم أمهلها حتى دنت ولادتها، و قال لها: أعيذه بالواحد، من شر كلّ حاسد، ثم إذا وضعتيه ممجّدا فسمّيه محمدا:
شرف الوجود بمولد المختار * * * طه الرّسول معظّم المقدار
صلّوا عليه تقرّبا لجنابه * * * فعسى تنالوا غاية الأوطار
اللّهم صلّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق
و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق
و الهادي إلى صراطك المستقيم
و على آله حق قدره و مقداره العظيم
ذكر أبو سعد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى، و رواه عنه الحفاظ عن كعب الأحبار، و رواه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كانت آمنة تحدث و تقول: أتاني آت حين مرّ بي من حملي ستة أشهر في المنام و قال لي: يا آمنة إنّك قد حملت بخير العالمين، فإذا ولدته فسمّيه محمّدا و اكتمي شأنك. قالت: ثم أخذني ما يأخذ النساء- تعني من الطلق الذي هو وجع الولادة- و لم يعلم بي أحد لا ذكر و لا أنثى، و إني لوحيدة في المنزل و عبد المطلب في طوافه، فسمعت وجبة- أي هدّة عظيمة- و أمرا عظيما هالني، ثم رأيت كأنّ جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرّعب و كلّ وجع أجده، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، و كنت