مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٥٦ - مولد المناوي
هذا جمال الكون هذا بدره * * * هذا الذي منه الوجود تجدّدا
هذا مرادي و هو بهجة مهجتي * * * هذا لخلق اللّه يبعث مرشدا
هذا أماني و هو عين رعايتي * * * هذا حسامي طاعن عنق العدا
هذا حياة القلب بعد مماته * * * هذا مليح الوجه هذا المقتدى
هذا ملاذي و هو كهف حمايتي * * * هذا مناي في العشيّة و الغدى
هذا نبيّ اللّه خاتم رسله * * * هذا ضيا عيني و روحي له الفدا
هذا غناي بعد فقري ليس في * * * قلبي سواه و من له قد أوجدا
مذ جاءني نلت المنى من خالقي * * * و صفى لي العيش الهنيّ و أرغدا
يا سيّد السادات يا باب الحمى * * * يا من غدا للخلق تأتي منجدا
يا قائلا ربّي دعوتك أمّتي * * * فيجاب من ربّ السماوات النّدا
في خلقنا اشفع يا محمد إننا * * * بالحقّ لم نخلف لأمرك موعدا
انظر بعينك للمناوي إنّه * * * في دائرات الذّلّ دوما سرمدا
و انقذه يا مختار من غفلاته * * * و انجده من بحر المذلّة و الرّدى
و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم من العمر عامين توجّهت به حليمة إلى مكّة و أعطته لأمه و أخبرتها بما رأته من أماراته الظاهريّة، و حدّثتها بما شاهدته من عجائبه التي لا تدركها الأفهام.
فاستبشرت آمنة برؤيته و ابتهجت بطلعته و أخلاقه السنيّة، و قبّلته بين عينيه و ضمّته إلى صدرها. فيا أشفق ضمّ و يا أبهج انضمام، ثم خافت عليه من و باء مكّة فأمرتها بالرجوع إلى المنازل السعديّة، فرجعت حليمة به و قد هاج شوقها بجماله و انتظم قلبها في محبته أحكم انتظام، و كان صلى اللّه عليه و سلم و هو عند حليمة إذا خرج مع الصّبيان تترقّب مجيئه بأعينها البصريّة، و تفرح بقدومه إذا قدم و تبتسم في وجهه أحسن ابتسام. فسأل ذات يوم عن إخوته فقالت: يا حبيبي خرجوا يرعون أغنامنا المقنيّة، فقال: يا أمّاه دعيني أخرج معهم. فلما أصبح أخذ عصاه و تمنطق بالحزام، فأوصت حليمة أولادها عليه و بالغت في الوصية. فأقام صلى اللّه عليه و سلم نهاره معهم و هم يرعون الأغنام، فلما جاء الليل خرجت حليمة لملاقاتهم فرأته مقبلا و الأنوار تتلألأ من طوالعه الجبينيّة، و الأغنام حوله تلوذ به كالعرائس و هي تشخب لبنا طيّب المذاق لذيذ الطعام، فضمّته بين ثدييها و قالت له: يا حبيبي ما الذي غيّبك عني، فحدّثها أخوه بما رآه من أماراته الشهيريّة و أخبرها بما شاهده من آياته التي لا تبلغ كنهها ذوو الأفهام، و قال لها: يا أماه لما خرج معنا أخونا القرشيّ فما مررنا على شجرة إلّا حيّته بأحسن التحية، و لا مررنا على أرض يابسة إلّا اخضرّت و لا بئر إلّا فاض ماؤها و لا حجر إلّا غاصت فيه الأقدام، و مررنا يا أمّاه على واد فيه