مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٦٦ - مولد المناوي
له جبريل: أ ما تستحي يا براق و اللّه ما ركبك خلق أكرم على اللّه من محمد سيّد الأنام.
فاستحيا حتى ارفضّ عرقا ثم قرّ حتى ركبه فلما استوى على ظهره سوّى إسرافيل أطراف ثيابه و أمسك جبريل ركابه و أخذ ميكائيل الزمام، و علا به الجبال على حيال مكّة و صلّى بإشارة من جبريل في الأماكن الزكيّة، و عرضت له في الطريق آيات و أحوال عظام. و لما و صل صلى اللّه عليه و سلم بيت المقدس رأى الأنبياء جميعا، فيا لها من جمعيّة بهيّة، فأذّن جبريل و صلّى نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم ركعتين بالجميع إماما، فيا نعم المأموم و يا نعم الإمام، ثم بعد الصلاة و ثناء كل منهم على ربّه بما هو أهل له رقي به جبريل إلى السماء الأولى فإذا فيها آدم بذاته البدريّة، فسلّم عليه فرحّب به و ردّ ٧، ورقي به إلى الثانية فإذا فيها عيسى ابن مريم النّقيّة، و ابن خالته يحيى الذي أوتي في صباه جميع الأحكام، ورقي به إلى الثالثة فإذا فيها يوسف بصفاته الحسنيّة، و رأى في الرابعة إدريس الذي رفعه اللّه أعلى مقام، و رأى في الخامسة هارون الذي وصفه اللّه في القرآن بالفصاحة اللّسانيّة، و رأى في السادسة موسى الذي شرّف اللّه مسامعه بلذيذ الكلام، و رأى في السابعة لإبراهيم عند باب الجنّة الفردوسيّة، فسلّم عليه فردّ و رحّب به و قال له: يا محمد أبلغ أمّتك منّي السلام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
و لمّا وصل صلى اللّه عليه و سلم إلى سدرة المنتهى و رأى الجنة و النار بأعينه الرّأسيّة، غشيته سحابة فيها من كل لون فتأخّر جبريل ثم عرج به حتى ظهر لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، فتجلّى عليه ربّ العزّة و حيّاه و قال: سل يا محمد تعط كل عطيّة. فما زال الحبيب يسأل و الكريم يجيبه حتى أرضاه و بلّغه فوق ما رام، ثم فرض عليه و على أمته في اليوم و الليلة خمسين صلاة أدائيّة، فرجع و أخبر موسى بذلك فقال له: ارجع وسل التّخفيف فإن أمّتك أقصر الأمم أعمارا و أقلّها أعمالا و أضعفها في الأجسام. فرجع و سأل التّخفيف حتى جعلها خمسا في العمل و خمسين في الفضل و الأجريّة، ثم هبط إلى بيت المقدس فركب براقه و جاء مكة و الليل شديد الظلام. و لما أصبح حدّث الناس بما عاينه في الليلة المعراجيّة، فمنهم من صدّق و منهم من كذّب و رجع عن الإسلام، فالمصدّقون و أوّلهم أبو بكر فازوا بالنّعمة و السعادة الأبدية، و المكذّبون و أولهم أبو جهل باؤوا بالخيبة و الحسرة و الندامة و أسباب الانتقام، ثم سألوه عن بيت المقدس فأجابهم بأوصافه الحقيقية، و أخبرهم بوقت مجيء عيرهم فجاءت كما أخبر عليه أفضل الصلاة و السّلام.