مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤٤٦ - مولد البرزنجي نثرا
و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم خمسا و عشرين سنة سافر إلى بصرى في تجارة لخديجة الفتيّة، و معه غلامها ميسرة يخدمه صلى اللّه عليه و سلم و يقوم بما عناه، و نزل صلى اللّه عليه و سلم تحت شجرة لدى صومعة نسطورا راهب النّصرانية، فعرفه صلى اللّه عليه و سلم إذ مال إليه صلى اللّه عليه و سلم ظلها الوارف و آواه، و قال: ما نزل تحت هذه الشّجرة قطّ إلّا نبيّ ذو صفات تقيّة و رسول قد خصّه اللّه تعالى بالفضائل و حباه، ثمّ قال لميسرة: أ في عينيه حمرة، استظهارا للعلامة الخفية، فأجابه بنعم، فحق لديه ما ظنه و توخّاه، و قال لميسرة: لا تفارقه و كن معه بصدق عزم و حسن طويّة، فإنه ممّن أكرمه اللّه تعالى بالنبوّة و اجتباه، ثم عاد صلى اللّه عليه و سلم إلى مكّة فرأته صلى اللّه عليه و سلم خديجة مقبلا و هي بين نسوة في علية، و ملكان على رأسه الشريف صلى اللّه عليه و سلم من وضح الشمس قد أظلّاه، و أخبرها ميسرة بأنه رأى ذلك في السّفر كله و بما قاله الرّاهب و أودعه إليه من الوصيّة، و ضاعف اللّه تعالى في ربح تلك التجارة و نماه، فبان لخديجة بما رأت و ما سمعت أنّه رسول اللّه تعالى إلى البريّة، الذي خصّه اللّه تعالى بقربه و اصطفاه.
عطّر اللّهمّ قبره الكريم * * * بعرف شذيّ من صلاة و تسليم
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه)
فخطبته صلى اللّه عليه و سلم لنفسها الزكيّة، لتشمّ من الإيمان به صلى اللّه عليه و سلم طيب رياه فأخبر صلى اللّه عليه و سلم أعمامه بما دعته إليه هذه البرّة التقيّة، فرغبوا لفضل و دين و جمال و مال و حسب و نسب كلّ من القوم يهواه و خطب أبو طالب و أثنى عليه صلى اللّه عليه و سلم بعد أن حمد اللّه تعالى بمحامد سنية، و قال: هو و اللّه له نبأ عظيم بعد يحمد فيه مسراه، فزوجها منه صلى اللّه عليه و سلم أبوها و قيل عمّها و قيل أخوها لسابق سعادتها الأزليّة، و أولدها كل أولاده صلى اللّه عليه و سلم إلا الذي باسم الخليل سماه.
عطّر اللّهمّ قبره الكريم * * * بعرف شذيّ من صلاة و تسليم
(اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه)
و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم خمسا و ثلاثين سنة بنت قريش الكعبة لانصداعها بالسّيول الأبطحيّة، و تنازعوا في رفع الحجر الأسود، فكلّ أراد رفعه و رجاه، و عظم القيل و القال و تحالفوا على القتال، و قويت العصبية، ثم تداعوا إلى الإنصاف و فوّضوا الأمر إلى ذي رأي صائب و أناة، فحكم بتحكيم أول داخل من باب السّدنة الشّيبية، فكان صلى اللّه عليه و سلم أول داخل فقالوا: هذا الأمين و كلنا نقبله و نرضاه، فأخبروه صلى اللّه عليه و سلم بأنهم رضوه أن يكون صاحب الحكم في هذا الملم و وليّه. فوضع صلى اللّه عليه و سلم الحجر في ثوب ثم أمر صلى اللّه عليه و سلم القبائل أن ترفعه جميعا إلى مرتقاه، فرفعوه إلى مقرّه من ركن هاتيك البنية، و وضعه صلى اللّه عليه و سلم بيده الشريفة في موضعه الآن و بناه.