مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٧٠ - مولد المناوي
و الجماعة الصّحابية، هيّن الجانب ليّنا ليس بفظّ و لا غليظ و لا مختال و لا نمّام، ماشيا خلف أصحابه قائلا: خلّوا ظهري للملائكة الرحمانية، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا ينطق في مجلسه إلّا بصدق الكلام، عاصبا من الجوع بالحجر أمعاءه الأحشائيّة، و بين يديه مفاتيح خزائن الأرض بما فيها من الأنعام، و راودته الجبال أن تكون له ذهبا فلم ترض نفسه الأبيّة بل رضي حالته التي هو بها عليه الصلاة و السلام، كامل الآداب إذا مشى في أماكن المدينة البهيّة، مشدودا بالمئزر مرخيا على وجهه اللّثام.
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم و التّحيّة * * * و اغفر لنا ذنوبنا و الآثام
هذا و لمّا أكمل اللّه تعالى لنا ديننا و أتمّ علينا نعمته الإفضاليّة أراد تعالى أن ينقله إلى حظيرة قدسه ليكمل شرفه عليه الصلاة و السلام فأنزل تعالى عليه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ (١) [النصر: الآية ١] إلى آخرها لنعي نفسه الزكيّة، فعند ما قال عليه الصّلاة و السلام: نعيت إليّ نفسي. و أكثر من التّسبيح و التّمجيد و الاستغفار و استعدّ للنّقلة فعاش بعدها على احدى الروايات أحدا و ثمانين من الأيام، و كان ابتداء مرضه في أواخر صفر و مدّته ثلاثة عشر يوما على المشهور من الأقوال المرويّة. و قد روي أنّه لما اشتدّ كربه و تزايدت به الآلام خرج صلى اللّه عليه و سلم على أصحابه حتى صعد المراقي المنبريّة، و ودّعهم كما يودّع الوالد أولاده و عرّض باختياره لقاء اللّه تعالى، فهاجت قلوب أهل الإسلام، و نزل عليه جبريل بأمر عالم الخفيّة، و قال له: يا محمد إنّ السلام يقرئك السلام و يسألك عمّا هو أعلم به من أحوالك المرضيّة، يقول: كيف تجدك، فأجابه صلى اللّه عليه و سلم عن هذا السؤال و الاستفهام بقوله: أجدني يا جبريل مغموما و أجدني يا جبريل مكروبا، لكثرة ما به من مقدّمات ركائب المنيّة، ليبلغ من المقامات الرّبانية أعلى مقام، و ما زال جبريل ٧ يعوده لمؤانسته التّوديعية إلى أن حان الوقت الذي لعظيم مصيبته تكاد أن تذوب القلوب و تفارق الأرواح الأجسام. فنزل عليه الملك الموكّل بقبض أرواح الخلائق الوجودية، فوقف بالباب مستأذنا فقال جبريل: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك و لم يستأذن على آدميّ قبلك و لا يستأذن على آدميّ بعدك إلى يوم القيام، فأذن له فدخل و بدأ المصطفى صلى اللّه عليه و سلم بالتحيّة، و قال: يا رسول اللّه إنّ اللّه عزّ و جل أرسلني إليك و أمرني أن أطيعك في كل ما تأمر، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها و إن أمرتني أن أتركها تركتها يا نور الظّلام. فقال صلى اللّه عليه و سلم: امض لما أمرت به من قبض روحي إن شئت فإني اخترت لقاء ربّ العزّة الأبديّة. فقال جبريل: يا رسول اللّه هذا آخر موطئ من الأرض إنما كنت حاجتي من الدّنيا يا غاية المرام.