مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٥٩ - مولد المناوي
إذ من أ لست قد أوعدت * * * برضاع أحمد خيرنا
و اللّه شرّف قدره * * * فينا و أعلن فخره
يا صاح كرّر ذكره * * * فهواي أجمعه هنا
إن رمت سعدا لذبه * * * فالسّعد عزّ جنابه
يا ربّ اسعدنا به * * * يوم الحساب بجمعنا
يا عالما بخفيّتي * * * يا راحما لشكيّتي
يا سامعا لمقالتي * * * بالصّالحات اختم لنا
فأنا المناوي خاضع * * * في بحر جودك طامع
يا من لقولي سامع * * * يا ربّ آمن خوفنا
و لمّا بلغ صلى اللّه عليه و سلم من العمر أربع سنين، خرجت به أمه لزيارة أخواله في المدينة اليثربيّة، فأقامت عندهم جملة أيام ثم انصرفت به راجعة إلى مكّة، فأدركتها في الطريق ركبان المنيّة، فنقلت إلى رحمة اللّه التي وسعت كل شيء من خاص و عام، و بكت الجنّ يوم وفاتها حتى سمعت الإنس أصواتها الحزينة و اشتدّ بكاء الإنس عليها حتى ذابت القلوب و الأجسام، و دفنت رضي اللّه تعالى عنها بالأبواء أو بالمقابر الحجونيّة، و قبرها معروف يزار إلى الآن عليه المهابة و القبول و الرّضوان و الأنوار العظام. فاحتملت به صلى اللّه عليه و سلم أمّ أيمن بركة الحبشيّة، و أدخلته على جدّه عبد المطلب، فلما رآه بادر له مسرعا بالقيام، فأخبرته بوفاة أمّه فضمّه إلى صدره و أخذه عليه أعظم شفقة و الديّة و جعله في كفالته إلى أن بلغ من العمر ثمانية أعوام. و لما انفضت من جدّه عبد المطلب أيام عمره الدّنيويّة و نزل به ريب المنون و تولّى أمره الملك العلّام، تكفّل بتربيته عمّه أبو طالب شقيق أبيه عبد اللّه أرحاما و صلبيّة، و ذلك بوصيّة من جدّه عبد المطلب قبل أن ينزل به ركب الحمام. فجعله في حيّه و ربّاه أحسن التّربية، إلى أن بلغ من العمر عشر سنين و بعد عامين توجّه به مسافرا إلى الشّام، فرآه بحيرا الرّاهب فعرفه بالعلامات النّبويّة التي يعجز عن وصفها كل حبر خبير من ذوي الأفهام، فرأى الأشجار سجدت و الأحجار سلّمت و غمامة بيضاء قد أظلّته في الأوقات الهجيريّة، فدعاه لضيافته و إكرام من معه من الأقوام، ثم وقف لتفقّد الدّاخلين فلم يجد فيهم من له العلامات المعلومية، فقال: هل بقي أحد منكم يا ذوي الأحلام، فقالوا: بقي غلام يتيم تركناه للحراسة عند أمتعتنا الأحمالية، فقال: لا تتم ضيافتنا إلّا بوجوده يا ذوي الإكرام. ثم خرج إليه و قبّل الأرض بين يديه و قال له: يا حبيبي اذهب بنا إلى أماكن ديرنا المبنيّة، فلا تتمّ ضيافتنا إلّا بوجودك يا خير الأنام، و يقال: لما دخل صلى اللّه عليه و سلم اخضرّت الشجرة بدير الرّاهب و صح أنه ارتفع الباب لئلا تنحني قامته الطويلة الحسنيّة، و قيل: خرج إليه رجل منهم و احتضنه