المال المثلي و المال القيمي في الفقه الاسلامي - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١٥٦ - تمهيد
و لعل الوجه في ذلك ان النصوص لم تبين هذه الجهة، بل انما تعرضت لبيان أصل الضمان في موارد شتى أو لم تتعرض لكيفية الضمان الا في موارد قليلة. فقد تقدمت الاشارة في مقدمة بحث الضمان الى عنوان المثلي، و عنوان القيمي بالمعنيين الاصطلاحيين لم يرد شيء منهما في نص لفظي كآية، أو رواية، كما تقدمت المناقشة في الاستدلال بالآيات، أو الروايات المشتملة على كلمة المثل، و أوضحت عدم تمامية الاستدلال بها، فلا نملك أصلًا لفظياً يرجع إليه، و يتمسك به في معرفة الحكم المشكوك فيه.
و يرى الشيخ الانصاري ان المرجع في تحرير المشكوك من حيث كونه مثلياً، أو قيمياً هو العرف بقوله[١]: ( (لا تكاد تظفر على مورد واحد من هذه الموارد على كثرتها قد نصَّ المشهور فيه على ذكر المضمون به. بل كلها الا ما شذ و ندر. و قد اطلق فيها الضمان. فلولا الاعتماد على ما هو المتعارف لم يحسن من الشارع اهماله في موارد البيان)).
و لكن لا يخفى ما فيه، فان العرف ربما يختلف، فلعل العرف في زمان يحكم بان المال الفلاني قيمي، بينما يحكم في زمن لاحق بأنه مثلي كالأقمشة على ما تقدم الاشارة اليه، بل ان عرف منطقة ربما يختلف عن عرف منطقة أخرى، و بذلك لا يكون العرف مرجعاً لحسم النزاع، فالمتنازعان الضامن و المالك، كل منهما يتمسك بحكم العرف الذي يرتضيه، فالاحالة على العرف تشبه الحوالة على البريء الرافض لها.
فلا بد من الرجوع الى الاصول العلمية، فالأصل الذي يمكن التمسك به في موارد الشك في مثلية المال و قيمته هو الاصل العلمي، لا الاصل اللفظي.
و لذا صرح جمع من المحققين بأنه في موارد الشك في كون الشيء مالًا مثلياً، أو مالًا قيمياً، لم يقم أصل لفظي على كون الشيء مالًا مثلياً، الا ما خرج بالدليل، لا على كونه مالًا قيمياً، الا ما خرج بالدليل.
فلا بد حينئذ من الرجوع الى الاصول العلمية و العمل بمقتضاها عند الشك، فهل مقتضاها عند الشك في كون الشيء مالًا مثلياً، أو مالًا قيمياً هو الضمان بالمثل، أو
[١] مستدرك الوسائل/ النوري/ ٣/ ١٤٥، سنن الدارمي/ ٢/ ٢٦٤/ السنن الكبرى/ البيهقي/ ٦/ ٩٥