المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٦٢ - وجوب الحجّ عن الميّت غير المستطيع في حياته
لم يمكن الالتزام بها. بل كلّما ازداد النصّ صحّةً وعدداً لازداد وهناً وضعفاً؛ ولعمري إنّ هذا المقال- أعني ازدياد الحكم والخبر ضعفاً ووهناً بازدياد الصحّة والعدد- في مورد مخالفة الارتكاز سيّما في الأحكام التي يعمّ الابتلاء بها- في محلّه، ولو لم يتمّ في مورد إعراض المشهور عن الخبر الصحيح.
الأمر الثالث: ويمكن الاستدلال لاستقرار الحجّ بعد حدوث الاستطاعة وإن زالت بقوله تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» [١]. بتقريب أنّ موضوع وجوب الحجّ هو حدوث الاستطاعة الذي يكفي له التمكّن من فعل الحجّ مع الشرائط في برهة من الزمان وإن لم يستمرّ؛ فإنّه فرق بين أن يُقال الحجّ واجب على المستطيع؛ حيث إنّ الحكم حدوثاً وبقاءً يدور مدارحدوث الاستطاعة وبقائها؛ وبين أن يُقال: الحجّ واجب على مَن استطاع، فإنّ الحكم حدوثاً وبقاءاً يدور مدار حدوث الاستطاعة وإن لم تبق.
وما في ذيل الآية السابقة من التهويل بترك الحجّ- وهو قوله «وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعلَمِينَ» [٢]- لاينافي استقرار الوجوب بعد زوال الاستطاعة [٣].
[١] آل عمران: ٩٧.
[٢] آل عمران: ٩٧.
[٣] أقول: الضابط في موضوعات الأحكام
إنّ الأحكام دائرة مدار موضوعاتها بلا ريب، فإذا قيل المسافر يقصّر فإنّه لا يكفي للتقصير حدوث السفر، بل المناط في التقصير كون المكلّف حال فعل الصلاة مسافراً ولايجوز له التقصير في الحضر إذا سبق منه السفر في أوّل الوقت، كما أنّه لا يجب عليه التحفّظ على بقاء الموضوع. ولكن الشأن في تحديد الموضوع وتعيينه؛ فقد يكون الموضوع هو تحقّق الحالة واستمرارها؛ وقد يكون الموضوع هو مجرّد حدوث الحالة؛
مثلًا من المحرّمات امّ مَن تزوّج بها؛ ولا يشترط في صدق هذا الموضوع بقاء الزوجية؛ فامّ المطلّقة مصداق لهذا الموضوع؛ فإنّ المحرّم ليس هو خصوص عنوان (امّ الزوجة) ليقال إنّ هذا العنوان يزول بزوال الزوجيّة؛ بناءً على أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس؛ وعنوان (امّ مَن تزوّج) بها صادق بعد الطلاق وزوال الزوجيّة حتّى بناءً على اختصاص المشتقّ بالمتلبّس.
ولكن عنوان (المسكر حرام) يكون الحكم بقاءً وحدوثاً دائراً مدار تحقّق المسكر واستمراره، بمعنى حدوث التحريم بحدوث العنوان، وإناطة بقاء الحرمة ببقاء الإسكار، فيزول التحريم بزوال الإسكار وتحوّله إلى الخلّ.
إذن ربّما يكون حدوث الحكم دائراً مدار حدوث العنوان وبقائه، فلا يكفي في ترتّب الحكم مجرّد حدوث العنوان ما لم يستمرّ؛ كما في بطلان الصوم بالسفر قبل الزوال فإنّه دائر مدار حدوث السفر وبقائه إلى الزوال، فلو رجع المسافر قبل الزوال لم يحكم ببطلان صومه.
نعم، الحكم بجواز الإفطار يكفي فيه حدوث السفر ولو لم يستمرّ إلى الزوال ولا يدور جواز الإفطار في السفر مدار استمراره إلى الزوال.
ثمّ إنّ من آثار اختلاف الموضوع للأحكام هو وجوب التحفّظ على القدرة على الامتثال وعدمه؛ فإن كان الموضوع هو حدوث العنوان فلا يجوز تعجيز النفس عن الامتثال، بخلاف ما إذا كان الموضوع للتكليف هو حدوث العنوان وبقائه فلا بأس بتعجيز النفس عن الامتثال بالخروج عن الموضوع.
والسرّ في ذلك: أنّ التحفّظ على موضوع الأحكام ليس واجباً على القاعدة؛ حيث إنّ أدلّة الأحكام لا تتضمّن سوى الحكم على تقدير الموضوع؛ فكما لا يجب إيجاد الموضوع وربّما لا يجوز؛ وإن كان ترتّب الحكم على تقديره قطعيّاً؛ فكذلك لا يجب التحفّظ على بقاء الموضوع وربّما يحرم وإن كان ترتّب الحكم على تقدير البقاء قطعيّاً.
فإيجاد موضوع الحدود لا يجب بل لا يجوز وإن كان على تقدير تحقّقها يترتّب وجوب إقامة الحدّ.
والإبقاء على السكر والحيض لا يجب بل ربّما يحرم وإن كان سقوط الصلاة أو غيرها على تقدير بقاء الموضوع قطعيّاً.
فالموضوع للتكليف إذا كان ممّا لا يقبل الزوال لكون حدوثه كافياً في استمرار الحكم فلا يجوز تعجيز النفس عن الامتثال؛ لأنّه تفويت للغرض مع وجود موضوعه.
وأمّا إذا كان قابلًا للزوال فلا بأس بإزالته؛ لعدم استلزامه تفويت الغرض؛ حيث إنّ الغرض قائم بالتكليف على تقدير الموضوع، فإذا ارتفع الموضوع ارتفع الغرض؛ فلا غرض ليكون تفويته ممنوعاً عقلًا، بل عدم استيفاء الغرض سالبة بانتفاء الموضوع.
فلو تحيّضت المرأة اختياراً قبل دخول وقت الصلاة لم يكن بذلك بأس، وكذا لو سافر المكلّف اختياراً في شهر رمضان لإسقاط الصوم بل وفي سائر الأيّام حيث يستلزم السفر سقوط الإتمام في الصلاة عن المكلّف، بل ولا بأس بالسفر بعد دخول الوقت وإن استلزم التعجيز عن الإتمام.
وبالجملة: لا مناص للفقيه من ملاحظة الأدلّة لتشخيص ما هو الموضوع للحكم ليرتّب على ذلك الحكم وما أوعزنا إليه من الأثر؛ أعني عدم وجوب التحفّظ عليه وجواز الخروج عنه اختياراً.
وظاهر ترتيب الحكم على من اسند الشيء إليه بفعل ماضٍ هو كفاية تلبّسه بذلك الفعل في زمان وإن لم يستمرّ تلبّسه به كما في (سافر) ونحوه.
كما أنّ ظاهر ترتيب الحكم على من اسند الشيء إليه بفعل مضارع هو كفاية تلبّسه بذاك الشيء في المستقبل لترتّب الحكم عليه قبله.
وظاهر ترتيب الحكم على الموصوف بعنوان المشتقّ كاسم الفاعل والمفعول هو اعتبار تلبّسه واستمرار تلبّسه في ترتّب الحكم حدوثاً وفي استمرار الحكم، فإذا قيل: المسافر يقصّر، يكون التقصير مترتّباً على المسافر حدوثاً وبقاءً، فإذا زال استمرار السفر ارتفع وجوب القصر.
وهذا معنى ما ذكرناه في مستهلّ البحث من أنّه فرق بين أن يُقال: المستطيع يجب عليه الحجّ وبين أن يُقال: مَن استطاع يجب عليه الحجّ بلا فرق بين أداء القضيّة بجملة شرطيّة أو حمليّة.
والعبرة في الفعل والمشتقّ بما يكون دخيلًا في الموضوع كالسفر والاستطاعة، لا بالكون المذكور في القضية في مثل «إذا كان مسافراً أو مستطيعاً»؛ فإنّ مثل هذه القضية بحكم ما ذكرنا من كون العنوان هو المشتقّ لا الفعل.
نعم، ربّما تكون مناسبات الحكم والموضوع موجبة لتحديد الموضوع على غير ما قرّرناه على أساس ظهور الجمل، فتقتضي كون الموضوع عنواناً يشترط استمراره في ترتّب الحكم وإن كان مدلولًا عليه بجملة فعليّة ماضويّة.
كما أنّها قد تقتضي تعيين العنوان فيما لا يشترط استمراره وإن كان مدلولًا عليه بالمشتقّ كاسم الفاعل.
كما أنّ كون بعض الحوادث ممّا لا تقبل الاستمرار تجعل المشتقّات المصنوعة منها بحكم الأفعال كما في «قاتل» و «ضارب»، فيكون الموضوع- من حدث منه القتل والضرب، لا أنّ موضوع الحكم هو الشخص حال اشتغاله بالقتل والضرب، مثال الثاني قوله تعالى: «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ» فإنّه وإن كان العنوان مشتقّاً أُصوليّاً ولكن مناسبات الحكم تقتضي كون الموضوع من حدث منه الإحسان فلا سبيل عليه فعلًا بالنسبة إلى إحسانه السابق، ولا يشترط كونه بالفعل أيضاً محسناً.
ومثال الأوّل: إذا بلغ الماء أو اكتمل قدر كرّ لا ينجّسه شيء؛ فإنّه لا يكفي في عدم انفعال الماء كونه كرّاً سابقاً، بخلاف قولنا: إذا تغيّر الماء بالنجس لم يطهّره شيئاً؛ فإنّه يكفي في عدم مطهّريته كونه متغيّراً سابقاً وإن زال تغيّره فعلًا.