طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - الأمر الخامس أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة
الأمر الخامس: أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة
ذهب المشهور إلى القول بوجوب المقدّمة واستدلّوا له بوجوه:
الوجه الأوّل: عدم إمكان تخلّف إرادة المقدّمة عند إرادة ذيها بعد الإلتفات إلى كون الشيء مقدّمة وأنّه لا يمكن التوصّل إلى المطلوب إلّابها، ويظهر ذلك بقياس إرادة الآمر بإرادة الفاعل، فهل ترى أنّك لو أردت شيئاً وكان ذلك الشيء يتوقّف على مقدّمات يمكنك أن لا تريد تلك المقدّمات؟ لا، بل لابدّ من أن تتولّد إرادة المقدّمات من إرادة ذلك الشيء قهراً عليك، بحيث لا يمكنك أن لا تريدها بعد الإلتفات إلى المقدّمات، وإلّا يلزم أن لا تريد ذا المقدّمة، وهذا واضح وجداناً، وإرادة الآمر حالها حال إرادة الفاعل [١].
واورد عليه، أوّلًا: أنّ البرهان لم يقم على التطابق بين التشريع والتكوين من جميع الجهات، لو لم نقل بقيامه على خلافه، وتوضيح الفرق أنّ تعلّق الإرادة بالمقدّمات من الفاعل الذي أراد الوصول إلى شيء أنّه يرى أنّ الوصول إلى الغاية المطلوبة لا يحصل إلّابإيجاد مقدّماته، فلا محالة يريده مستقلًاّ بعد تماميّة مقدّماتها، وأمّا الآمر غير المباشر فالذي يلزم عليه هو البعث نحو المطلوب وإظهار ما تعلّقت به إرادته ببيان وافٍ، بحيث يمكن الاحتجاج به على العبد، ويقف العبد به على مراده حتّى يمتثله، وأمّا إرادة المقدّمات فلا موجب له بعد حكم العقل بلزوم إتيانها.
والحاصل أنّه فرق بين المباشر والآمر فإنّه لا مناص في الأوّل عن تعدّد الإرادة، لأنّ المفروض إنّه المباشر للأعمال برمّتها فلا محالة تتعلّق الإرادة بكلّ ما يوجده بنفسه، وأمّا الآمر فيكفي في حصول غرضه بيان ما هو الموضوع لأمره وبعثه، بأن يأمر به ويبعث نحوه، والمفروض أنّ مقدّمات المطلوب غير خفي على المأمور، وعقله يرشد إلى لزوم إتيانها، فحينئذٍ لأيّ ملاك تنقدح إرادة اخرى متعلّقة
[١]. انظر: مبادئالوصول، ص ١٠٦؛ الإحكام في اصول الأحكام، للآمدي، ج ١، ص ١١١؛ فوائد الاصول، ج ١، ص ٢٨٤