طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - أدّلة المثبتين
أدّلة المثبتين
لايخفى أنّ قسماً من الأفعال يكون بحسب الذات علّة تامّة للحسن أو القبح كالظلم والإحسان.
وقسماً منها يكون مقتضياً وعلّة ناقصة لأحدهما في حدّ ذاته كالصدق الذي يقتضي الحسن ذاتاً ما لم يمنع مانع عنه، كما إذا أوجب إلقاء النفس في التهلكة.
وقسم ثالث منها ليس علة تامّة للحسن أو القبح في حدّ ذاته ولا علّة ناقصة لأحدهما كذلك كالمباحات العقليّة، والنزاع إنّما وقع في القسم الأوّل لا الثاني والثالث ممّا يكون حسناً أو قبيحاً بالوجوه والاعتبار.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه لا إشكال في حسن بعض الأفعال أو قبحه ذاتاً وقبل ورود الشرع ويدلّ عليه امور:
منها: الوجدان، فإنّ وجدان كلّ إنسان يحكم بأنّ هناك أفعالًا حسنة ذاتاً وأفعالًا اخرى قبيحة كذلك، وإن شئت فانظر إلى رجلين أحدهما أنقذ غريقاً من البحر والآخر ألقى رضيعاً في البحر، فهل تجد في نفسك أنّهما سيّان من حيث المدح والذمّ؟ كلّا، بل يحكم وجدانك بحسن عمل الأوّل وقبح عمل الثاني بلا ريب، ولا ترتاب ولو للحظة واحدة في هذا الحكم.
ومنها: أنّ إنكار الحسن والقبح الذاتي يستلزم إنكار الشريعة وعدم إمكان إثباتها؛ لأنّه متوقّف على إظهار المعجزة على يد النبي الصادق صلى الله عليه و آله وهو لا يدلّ على صحّة النبوّة إلّاإذا قلنا بقبح إظهارها على يد الكاذب، وكذلك يستلزم عدم إمكان قبول الوعد والوعيد الواردين في كتاب اللَّه لأنّه يتوقّف على قبح الكذب وعدم الوفاء بالوعد.
ومنها: ما يدلّ من الآيات على حسن بعض الأفعال وقبح بعض آخر قبل ورود الشرع من قبيل قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ