طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - الأوّل بناء العقلاء
ولكنّه غير تامّ؛ لأنّ من الاحتمالات كون البناء من باب الظنّ النوعي، ومنها كونه من باب الرجاء والاحتياط، وعليه فإذا كان الظنّ أو الرجاء أو شبههما حجّة عند العقلاء بحيث يحتجّ به العبيد على مواليهم، والموالي على عبيدهم فهو كافٍ في إثبات المطلوب، لأنّا لا نقصد من الحجّية إلّاهذا.
ومنها: أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن هذه السيرة [١].
ويرد عليه، أوّلًا: ما مرّ من أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لا يمكن أن تكون رادعة عن سيرة العقلاء؛ لأنّ المراد من الظنّ فيها ليس هو الظنّ المصطلح؛ وهو الاحتمال الراجح في مقابل العلم والشكّ والوهم، بل إنّه في مثل هذه الآيات إشارة إلى الظنون الواهية والأوهام الباطلة، كما تؤيّده القرائن الموجودة في نفس الآيات:
مثل ما ورد في قوله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ» [٢]، فعطف على الظنّ ما تهوى الأنفس.
وما ورد في قوله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» [٣]، ففسّر الظنّ بالخرص وهو التخمين والحدس بغير دليل.
ويؤيّد ذلك ورود هذه الآيات في المشركين وعبدة الأصنام الذين لم تكن عبادتهم للأصنام ناشئة من ظنّ عقلائي وأساس برهاني بلا ريب، بل نشأت من توهّمات باطلة وخيالات كاسدة.
وثانياً: أنّه لو كان كذلك للزم تخصيص هذه الآيات في موارد العمل بالظواهر والبيّنة وخبر الواحد وقول ذي اليد وغيرها، مع أنّ لحنها آبٍ عن التخصيص.
وثالثاً: أنّ الظاهر ورودها في خصوص اصول الدين والمسائل الاعتقاديّة الّتي لا
[١]. كفاية الاصول، ص ٣٨٧
[٢]. سورة النجم، الآية ٢٣
[٣]. سورة يونس، الآية ٦٦