طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢١ - ٣ المجتهد المطلق والمتجزّي
الفوضى والهرج والمرج الشديد في الدين وما لا نجد نظيره حتّى في التقنينات العقلائيّة في اليوم؛ لأنّ ما يجعل ويقنّن فيها هو قانون واحد لا قوانين عديدة بعدد العلماء كما مرّ آنفاً.
ولما ذكرنا كلّه خصوصاً لهذه النتيجة الفاسدة نهض أمير المؤمنين علي عليه السلام في مقام الذمّ لهذا النوع من الاجتهاد في عصره- فكيف بالأعصار اللاحقة- حيث قال:.
تَرِدُ عَلَى أَحَدِهُم الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكامِ فَيَحْكُمُ فِيها بِرَأْيِهِ، ثُم تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلافِهِ ... أمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً ناقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمامِهِ! أَمْ كانُوا شُرَكاءَ لَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى؟ أمْ أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامًّا فَقَصَّرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه و آله عَنْ تَبْلِيغِهِ وَ أَدَائِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ:
«مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ»» [١].
ولا يخفى أنّ هذا البيان وكذلك غيره من الأخبار الّتي وردت في ذمّ هذا النوع من الاجتهاد من سائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام في الواقع دفاع عن كيان الدين وأساس الشريعة والتأكيد على كمالها وعدم النقص فيها.
فقد ظهر ممّا ذكرنا بطلان القسم الثاني من الاجتهاد، ولعلّ الخلط بين القسمين صار منشأً لمعارضة الأخباريين مع الاصوليين، وإلّا فإنّ الاجتهاد بالمعنى الأعمّ يعمل به الأخباري أيضاً في المجالات المختلفة من الفقه، وإن شئت فراجع إلى كتاب الحدائق حتّى تلاحظ كونه اجتهاداً واستنباطاً من المحدّث البحراني من أوّله إلى آخره، ومقدّمات الحدائق المعروفة في الواقع سلسلة من المسائل الاصولية سمّاها مقدّمات، وكذا غيره من أشباهه.
٣. المجتهد المطلق والمتجزّي
عرّف المجتهد المطلق بأنّه «من له ملكة يقتدر بها على استنباط جميع الأحكام
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ١٨.