طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - ٥ استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل
والصحيح في الفرق بينهما أنّ الأمارة ما تكشف عن الواقع في الجملة، ولأجل ذلك جعلت لها الحجّية عند الشرع أو العقلاء من أهل العرف فصار كشفها الناقص بمنزلة الكشف التامّ، وأمّا الأصل فليس له كشف عن الواقع بل هو حكم جعل لمجرّد رفع الحيرة والترديد في مقام العمل لمصلحة فيه؛ سواء كان الدليل عليه العقل أو النقل.
إذا عرفت هذا فنقول: الظاهر أنّ التفصيل المزبور من الشيخ الأعظم رحمه الله في غير محلّه؛ لأنّ للعقلاء أيضاً اصولًا وأمارات فإنّهم يجرون البراءة مثلًا في الأحكام الجارية بين الموالي وعبيدهم وبين الحكّام ورعاياهم والرؤساء والمرؤوسين، وفي الموضوعات في الجرائم والمسائل الحقوقيّة، مع أنّه لا نزاع في أنّ البراءة من الاصول العمليّة.
فمجرّد كون الدليل بناء العقلاء، لا يكون دليلًا على الأمارية بل يوافق كون المورد أصلًا أو أمارة، فلابدّ إذن من ملاحظة كيفية بناء العقلاء وخصوصيّته حتّى يتبيّن أنّ نظرهم هل هو إلى جهة الكشف حتّى يكون المورد أمارة، أو إلى مجرّد رفع الحيرة حتّى يكون المورد من الاصول؟ وسيأتي بيان هذا بالنسبة إلى الاستصحاب فانتظر.
٥. استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل
لو كشفنا حرمة المخدّرات مثلًا من حكم العقل، أي بقانون الملازمة، فهل يصحّ استصحابه فيما إذا شككنا في بقائها في الزمان اللاحق أو لا؟
ذهب شيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله إلى عدمه، من باب أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم، فلا يشكّ العقل حينئذٍ في حكم نفسه، فلابدّ وأن يرجع الشكّ في بقاء المستصحب وعدمه إلى الشكّ في موضوع الحكم،