طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - ٥ استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل
والموضوع لابدّ أن يكون محرزاً معلوم البقاء في الاستصحاب [١].
وبعبارة اخرى: أنّ الحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلًا للعقل الحاكم به، فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكماً قطعياً كما حكم أوّلًا، وإن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، فلا يعقل تطرّق الإهمال إلى موضوعه.
ولكن المحقّق الخراساني رحمه الله أورد عليه بأنّ تطرّق الإهمال إلى موضوع حكم العقل ممّا يعقل في الجملة، بمعنى أنّه يمكن أن يستقلّ العقل بحكم خاصّ على موضوع مخصوص مع وجود حالة مخصوصة فيه، لكن من غير أن يدرك دخلها في المناط على نحو إذا انتفت الحالة أدرك فقد المناط فيه بل يدرك فقط تحقّق المناط مع وجود الحالة فيستقلّ بالحكم فيه، ولا يدرك تحقّق المناط مع انتفاء الحالة فلا يستقلّ بالحكم ولا بانتفائه كذلك.
وعليه فلا مانع حينئذٍ عن استصحاب الحكم الشرعي المستكشف بحكم العقل بعد انتفاء الحالة المخصوصة، وذلك لليقين السابق كما هو المفروض، والشكّ اللاحق نظراً إلى احتمال عدم دخل الحالة في المناط أصلًا، ولبقاء الموضوع عرفاً إذا فرض عدم كون الحالة من مقوّمات الموضوع، بل من حالاته المتبادلة [٢].
والظاهر تمامية ما ذكره الشيخ الأعظم رحمه الله لأنّه وإن كان ركنا الاستصحاب وهما اليقين السابق والشكّ اللاحق موجودين في ما نحن فيه، لكن الكلام في وحدة الموضوع المعتبرة في الاستصحاب، وهي منتفية في المقام، وذلك لأنّ الأحكام المتعلّقة بالأشياء الخارجيّة من ناحية الشرع أو العقل لا تتعلّق بها بما هي هي، أي بذواتها، بل تتعلّق بها بعناوينها، فالمتعلّق للحكم دائماً هو الشيء بعنوانه لا بما هو هو، فبعد أن تبدّل الخمر إلى الخلّ وإن كانت العصارة المأخوذة من العنب موجودة،
[١]. فرائد الاصول، ج ٣، ص ٣٧
[٢]. كفاية الاصول، ص ٣٨٦ و ٣٨٧