طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - المسألة الثالثة جواز القضاء للمجتهد المطلق
العالم، وصاحب الملكة ليس بعالم فعلًا، فرجوع الجاهل إليه من قبيل رجوع الجاهل إلى مثله، هذا إذا لم يتصدّ للاستنباط بوجه، وأمّا لو استنبط من الأحكام شيئاً طفيفاً فمقتضى السيرة العقلائيّة جواز الرجوع إليه فيما استنبطه من أدلّته، فإنّ الرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم، فإنّ استنباطه بقية الأحكام وعدمه أجنبيان عمّا استنبطه بالفعل.
وأمّا نفوذ قضائه وعدمه فالصحيح عدم نفوذ قضائه وتصرّفاته في أموال القصّر، وعدم جواز تصدّيه لما هو من مناصب الفقيه، وذلك لأنّ الأصل عدمه، فيقتضي أن لا يكون قول أحد أو فعله نافذاً في حقّ الآخرين إلّافيما قام عليه الدليل، وهو إنّما دلّ على نفوذ قضاء من يصدق عليه عنوان «العالم» أو «الفقيه» أو «العارف بالأحكام» أو غيرها من العناوين الواردة في أخبار القضاء، ولا يصدق شيء من ذلك على صاحب الملكة [١].
ولكن يرد عليه، أوّلًا: أنّ حصول ملكة الاجتهاد من دون ممارسة عمليّة مجرّد فرض لا واقع له خارجاً.
وثانياً: أنّه لم يبيّن الفرق في كلامه بين جواز التقليد وجواز التصدّي للقضاء في جريان سيرة العقلاء على الرجوع في الأوّل دون الثاني، فإنّه لو فرض استقرار سيرة العقلاء على رجوع الجاهل إلى صاحب الملكة في أمر التقليد، فكيف لم تستقرّ سيرتهم على رجوع المتداعيين إليه في أمر القضاء؟ مع أنّ لازم جواز الرجوع إليه في أمر التقليد كونه عالماً وخبرة عندهم بمجرّد الحصول على الملكة، وهذا صادق أيضاً بالنسبة إلى من له ملكة القضاء.
وما ذكره من أنّ الأصل عدم نفوذ قضاء أحد في حقّ أحد حقّ، ولكن يمكن إحراز النفوذ في مثل المقام بإطلاقات أدلّة القضاء وانصرافها إلى ما هو متعارف عند العقلاء- إلّاما خرج بالدليل- فإنّ القضاء ليس أمراً تأسيسياً للشرع، بل هو إمضاء
[١]. التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد، ج ١، ص ٣٢