طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - ١٥ النسبة بين الاستصحاب وسائر الاصول العمليّة
١٥. النسبة بين الاستصحاب وسائر الاصول العمليّة
والكلام فيه أيضاً يكون في وجه تقديم الاستصحاب على سائر الاصول، وإلّا لا إشكال في أصل تقدّمه عليها، بل ادّعى اتفاق الأصحاب عليه.
وأعلم أنّ الاصول العمليّة على قسمين: عقليّة وشرعيّة، أمّا العقليّة فهي ثلاثة:
البراءة العقليّة المستفادة من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والاحتياط العقلي في أطراف العلم الإجمالي وشبهه، والتخيير العقلي في دوران الأمر بين الواجب والحرام.
نعم قد مرّ في مبحث البراءة أنّ المختار أنّها عقلائيّة لا عقليّة؛ لأنّ العقل كما يحكم في موارد العلم الإجمالي بالاحتياط يحكم به في موارد الشبهات البدوية أيضاً، لما مرّ هناك من أنّ مقاصد المولى لا تكون أقلّ أهمية من مقاصد العبد نفسه، فكما أنّ العقل يحكم بالاحتياط فيما إذا احتمل العبد كون هذا الطعام مثلًا مضرّاً ضرراً معتدّاً به حفظاً لمقاصده الشخصية، كذلك يحكم به فيما إذا احتمل كون هذا الشيء مبغوضاً لمولاه.
وعلى هذا فالاصول العقليّة إثنان لا ثالث لهما، نعم إنّ بناء العقلاء قام على البراءة، فلا يؤاخذون العبيد والمأمورين بشيء قبل البيان الواصل إليهم، وقد أمضاه الشارع أيضاً، ولكنّه ليس فارقاً فيما هو المهمّ في المقام، لأنّ موضوع البراءة سواء كانت عقليّة أو عقلائيّة هو عدم البيان، وبعد قيام الاستصحاب يتبدّل عدم البيان إلى البيان.
وكيف كان لا إشكال في أنّ الاستصحاب وارد على الاصول العقليّة لأنّ موضوعها يرتفع به، أمّا البراءة فلما عرفت آنفاً، وأمّا الاحتياط، فلأنّ موضوعه عدم الأمن من العقوبة فيما إذا علم إجمالًا بكون ما في أحد الإناءين خمراً مثلًا، ومع استصحاب كون أحدهما خلّاً ينحلّ العلم الإجمالي من أصله ويحصل الأمن من العقاب، وهكذا في التخيير، فإنّ موضوعه عدم الترجيح بين المحذورين