طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٧ - الأمر الثالث دور الزمان والمكان في الاجتهاد
الأمر الثالث: دور الزمان والمكان في الاجتهاد
قد نعلم أنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها متابعة الظلّ لذي الظلّ وقد يتبدّل الموضوع بتبدلّ الزمان أو المكان، فترى للماء في المفازة والصحاري مالية فيجوز بيعه فيها، بينما لا يكون له مالية على الشاطئ فيبطل بيعه، هذا من قبيل تأثير المكان في الموضوع، وترى الحكم بجواز بيع الثلج في الصيف دون الشتاء لكونه مالًا في الأوّل دون الثاني وهذا من قبيل تأثير الزمان في الموضوع.
ومن أمثلتها الواضحة في يومنا هذا الدم الذي كان بيعه وشراؤه حراماً في الأزمنة السابقة باعتبار عدم وجود منفعة محلّلة معتدّ بها له، ولكن الآن لا إشكال في جواز بيعه وشرائه لما له من منافع محلّلة مقصودة، حيث لا تنحصر منافعه في الأكل المحرّم أو الصبغ الذي يعدّ من المنافع النادرة، فإنّ الدم في يومنا هذا عنصر حياتي يمكن به إنقاذ نفس إنسان من التهلكة، ولذا تكون له مالية عظيمة محلّلة معتدّ بها لنجاة المصدومين والجرحى وكثير من المرضى، لا سيّما في العمليات الجراحية فلِم لا يجوز بيعه في زماننا والحال هذا؟
ومن أمثلتها أيضاً: ما قد يقال في مسألة تقليل المواليد وأنّها كانت مرجوحة في الأعصار السابقة، بينما هي راجحة في زماننا في بعض البلاد الّتي تكون كثرة النفوس فيها موجبة للفقر الشديد والتأخّر والمفاسد الأخلاقية العظيمة.
فإنّ ما ورد في الترغيب على تكثير النسل والمواليد كالنبوي المعروف:
«تناكحوا تكثروا فإنّي اباهي بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط» [١]
ناظرة إلى الأعصار السابقة والأمصار الّتي كانت كثرة النفوس فيها سبباً للقدرة والسلطة، فما كان من الجوامع الانسانية أكثر نفراً كان أشدّ قدرة وأكثر قوّة، كما يشهد عليه قوله تعالى: «كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً» [٢]، وقوله تعالى: «وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ
[١]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٢٢٠
[٢]. سورة التوبة، الآية ٦٩