طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - ٢ الأقوال في المسألة
ومثّل لها في كلمات الغزالي بتترّس الكفّار بجماعة من اسارى المسلمين لو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافّة المسلمين، ثمّ يقتلون الاسارى أيضاً، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، فيجوز لقائل أن يقول: هذا الأسير مقتول على كلّ حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، فيحكم العقل هنا بوجوب رمي الترس من باب تقديم الأهمّ على المهمّ [١].
فيستفاد من هذا المثال أيضاً: أنّ المراد من المصالح المرسلة هي المصالح على مذاق الشرع، لأنّ المستفاد من مجموع الأحكام الشرعيّة أنّ حفظ كيان الإسلام أهمّ عند الشارع من حفظ النفوس المحترمة.
هذا، ولابدّ هنا من بيان أمرين مغفول عنهما في كلماتهم:
أحدهما: إنّ الاستحسان والمصالح المرسلة وإن استعملا في بعض الكلمات في معنى واحد، ولكن الظاهر أنّ الاستحسان حاصل بمجرّد أن يستحسنه الطبع والفطرة من دون أن يلحظ أنّ فيه مصلحة أو مفسدة، لأنّ الحسن والقبح في الأفعال كالحسن والقبح في الطبيعة له مبدأ فطري لا حاجة فيه إلى درك المصلحة أو المفسدة، بينما في المصالح المرسلة الحاكم هو العقل والبرهان لا الطبع والفطرة.
ثانيهما: إنّ ما ذكرنا في الاستحسان من تقسيمه إلى القطعي والظنّي يجري هنا أيضاً، فالمصالح المرسلة أيضاً تارةً يكون حكم العقل بها قطعياً للقطع بوجود المقتضي وفقد المانع، فتكون حجّة بلا ريب كالمستقلّات العقليّة، واخرى يكون ظنّياً فلا دليل على حجّيتها.
٢. الأقوال في المسألة
اختلف العامّة في حجّيتها، وعمدة الأقوال فيها ثلاثة:
[١]. المستصفى من علم الاصول، ج ١، ص ٢٩٤ و ٢٩٥