طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - الأمر الثاني شأن الفقيه في تشخيص الموضوعات الفقهيّة
ولكن قد ذكرنا في محلّه أنّها علم برأسه وليست من اصول الفقه وإن ذكر الأصحاب المتأخّرون غير واحد منها في طيّات علم الاصول، كما أنّها ليست من الفقه نفسه فراجع [١].
الأمر الثاني: شأن الفقيه في تشخيص الموضوعات الفقهيّة
إنّ لكلّ حكم موضوعاً، والمعروف في الألسنة أنّ تشخيص الموضوع ليس من شؤون الفقيه، بل هو موكول إلى المقلِّد نفسه، ولكن الصحيح أنّه لا يمكن للفقيه المجانبة عنه، فإنّ لموضوعات الأحكام مصاديق معقّدة غامضة لا يقدر العوامّ على تشخيصها، بل لابدّ للفقيه تفسيرها وتبيين حدودها وخصوصياتها، كما يشهد على ذلك أنّ كثيراً من الفروعات المعنونة في الكتب الفقهيّة من هذا القبيل.
وإن شئت قلت: إن كان المراد من الموضوع في المقام هو الموضوعات الجزئية، أي مصاديق الموضوعات الكلّية للأحكام، كمصاديق الدم والخمر والماء المطلق والمضاف وغيرها فإنّه كذلك، أي ليس تشخيصها من شؤون الفقيه، وأمّا إن قلنا بأنّ المراد منه هو نفس الموضوعات الكلّية الواردة في لسان الأخبار فلا إشكال في أنّ تشخيصها وتعيين حدودها من شؤون الفقيه.
وبعبارة أدقّ: إنّ هذا القسم من الموضوعات يستنبطها الفقيه بعد معرفة لسان الدليل، بارتكازه العرفي ويأخذها من العرف بما أنّه من أهل العرف، ثمّ يبيّن حدودها للمقلّدين.
وإن شئت فانظر إلى فتاوي الفقهاء مثلًا في ما يصحّ السجود عليه، فقد ورد في الدليل أنّه
«يجوز السجود على الأرض وما يخرج منها إلّاما اكل وما لبس» [٢]
، فهذا عنوان عرفي، وقد تكلّم فقهاؤنا قدس سرهم في مصاديقه وأنّه أيّ شيء يعدّ من المأكول
[١]. انظر مقدّمة كتابنا: «القواعد الفقهيّة»
[٢]. وسائل الشيعة، ج ٣، كتاب الصلاة، أبواب ما يسجد عليه، الباب ١