طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٤ - ١٤ تقدّم الأمارات على الاستصحاب
ويمكن تبيين هذا المعنى من طريق آخر وهو أنّ المراد من الشكّ في أدلّة حجّية الاستصحاب هو الحيرة الحاصلة من عدم وجود طريق إلى الواقع، فإذا قامت عنده الأمارة الّتي هي من الطرق المعتبرة زالت الحيرة ولا يصدق عليه أنّه سالك بلا طريق، فكأنّ معنى الشكّ عند العرف في أمثال المقام أضيق من الشكّ المنطقي، كما أنّ اليقين عندهم أوسع من اليقين المنطقي، وحينئذٍ لا يصدق على رفع اليد عن اليقين بالأمارة أنّه نقض اليقين بالشكّ بل يصدق عليه عند العرف أنّه نقض لليقين باليقين.
ويؤيّد ذلك ما مرّ من أنّ من أدلّة حجّية الاستصحاب هو بناء العقلاء، ولا إشكال في أنّهم يعتمدون على الاستصحاب في خصوص موارد التردّد والحيرة، وأمّا إذا قامت أمارة على تقنين قانون جديد مثلًا أو على عزل الوكيل عن وكالته فلا يجرون استصحاب بقاء القانون السابق أو استصحاب الوكالة كما لا يخفى.
فظهر أنّ الحقّ كون الأمارات واردة على الاستصحاب، ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من الحكومة، وهي أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى دليل آخر إمّا إلى موضوعه أو إلى متعلّقه أو إلى حكمه، توسعة أو تضييقاً بالدلالة المطابقية أو التضمّن أو الالتزام البيّن.
وذلك لأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد مثلًا عند الدقّة ناظرة إلى أدلّة الاصول، فإنّ مقتضى مفهوم آية النبأ أنّ ما أخبر به العادل مبيّن ولا يحتاج إلى التبيّن، ولا إشكال في أنّ معناه عدم ترتيب آثار الشكّ، وهكذا بالنسبة إلى قوله عليه السلام
«ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان» [١]
إذ معناه لزوم معاملة العلم مع ما أخبر عنه الثقة وعدم ترتيب آثار الشكّ.
ولعلّ تسمية الشاهدين العدلين باسم البيّنة كانت من هذه الجهة، أي إذا شهدت البيّنة على شيء فرتّب عليه آثار العلم دون آثار الشكّ، وليس هذا إلّامن باب أنّ أدلّة هذه الأمارات حاكمة على أدلّة الاصول وناظرة إليها ومضيّقة لدائرتها بغير
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ١١، ح ٤