طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - الكلام في الترتّب
الكلام في الترتّب
استدلّ القائلون بجواز الترتّب بوجوه [١] عمدتها وجهان:
الوجه الأوّل: أنّ منشأ الإشكال في الأمر بالضدّين إنّما هو التزاحم الموجود بين المهمّ والأهمّ، ولا إشكال في أنّ التزاحم إنّما يتصوّر فيما إذا كان كلا الأمرين مطلقاً وفي عرض واحد، وأمّا إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيانه فلا مضادّة ولا مطاردة بينهما.
الوجه الثاني: لا ريب في أنّ الوجدان حاكم بجواز الأمر الترتّبي ووقوعه في الخارج، من قبيل أمر الوالد ولده بقوله: تعلّم الفقه وإلّا فتعلّم الطبّ، وهكذا في أوامر الموالي العرفيّة لعبيدهم، كأن يقول: «كن في الدار في الساعة الفلانيّة وإن عصيتني وخرجت من الدار فكن على جانبه حتّى لو قصدني عدو بسوء تسمع ندائي».
ولكن اجيب عن الوجه الأوّل: بأنّ التزاحم والمضادّة وإن لم تكن بين الأمرين في مرحلة الأمر بالأهمّ، ولكنّها موجودة بينهما في مرحلة الأمر بالمهمّ، بداهة أنّ فعليّة الأمر بالأهمّ باقيّة على قوّتها ولا تسقط بإرادة العصيان.
إن قلت: الأمر بالأهمّ وإن كان فعليّاً بعد، ولكن لا يمنع عن الأمر بالمهمّ إذا كان ترك الأهمّ ناشئاً عن سوء اختيار المكلّف كما فيما نحن فيه، فهو بسوء اختياره أوجب الجمع بين الأمر بالضدّين.
قلت: الجمع بين الضدّين محال ولا يمكن صدور الأمر به من جانب المولى الحكيم، من دون فرق بين سوء اختيار المكلّف وحسن اختياره كما لا يخفى.
إن قلت: إنّ المزاحمة والمضادّة موجودة بين الأمرين المتعلّقين بضدّين إذا كانا في عرض واحد لا ما إذا كان أحدهما في طول الآخر، لأنّ الأمر بالمهمّ حينئذٍ يكون متوقّفاً على إرادة عصيان الأمر بالأهمّ.
قلت: المزاحمة والمطاردة وإن لم تكن موجودة في مرتبة المهمّ، بالنسبة إلى
[١]. انظر: جامع المقاصد، ج ٥، ص ١٣ و ١٤؛ كشف الغطاء، ج ١، ص ٢٧؛ فوائد الاصول، ج ١، ص ٣٣٦