طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - ١ جواز التقليد للعامّي
لكن الإنصاف إمكان دفع كليهما:
أمّا الإيراد الأوّل: فلأنّ المورد ليس مخصّصاً والآية مطلقة تعمّ السؤال عن اصول الدين وغيرها، وتقييد بعض المصاديق بالعلم بدليل من الخارج لا يوجب تقييد سائر المصاديق به واعتباره فيها.
وأمّا الإيراد الثاني: فلأنّ قوله تعالى: «إِنْ كُنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ» هو في مقام بيان الموضوع، ومعنى الآية: «اسأل عند عدم العلم حتّى تكون لك الحجّة» كما إذا قيل:
«إن كنت لا تعلم دواء داءك فارجع إلى الطبيب» فليس معناه أنّ قول الطبيب يوجب العلم دائماً.
وبعبارة اخرى: تارةً يكون العلم موضوعاً واخرى يكون غايةً، وما نحن فيه من قبيل الأوّل، ومعناها أنّ الموضوع للرجوع إلى البيّنة والقسم أو الموضوع للرجوع إلى الخبرة إنّما هو الجهل، وهذا لا يعني حصول العلم بعد الرجوع دائماً.
سلّمنا كونه غاية، لكن ليس المراد من العلم في المقام اليقين الفلسفي كما مرّ كراراً بل المراد منه هو العلم العرفي الذي يحصل من ناحية إقامة أيّة حجّة، فإنّ العرف والعقلاء يعبّرون بالعلم في كلّ مورد قامت فيه الحجّة.
الأمر الثالث: الروايات الواردة في خصوص المقام، وهي كثيرة إلى حدّ تغنينا عن البحث حول إسنادها.
منها: ما عن أبي جعفر عليه السلام:
«من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللَّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه» [١].
فهو يدلّ بمفهومه على جواز الإفتاء بعلم، ولا ريب في أنّ المقصود من العلم فيه إنّما هو الحجّة.
ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«أنّ مجاري الامور والأحكام على أيدي
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٤، ح ١