طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - الأوّل الآيات
وهي تؤكّد بالآية التالية لها، أي قوله تعالى: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً» [١]، حيث إنّه بيّنت فيها كيفية العذاب المذكور في تلك الآية وأنّه لا يكون إلّابعد الأمر ووقوع الفسق والمخالفة، كما أنّ المراد من بعث الرسل في تلك الآية إنّما هو إتمام الحجّة على الناس، فهو كناية عن بيان التكليف، فلا خصوصيّة للبعث كما يشهد عليه أنّه لا يعقل العذاب في صورة البعث مع عدم البيان.
ثمّ إنّ هاهنا آيتين اخريين توافقان الآية المذكورة في الدلالة على البراءة في ما نحن فيه، وقد غفل عنهما في كلماتهم:
الاولى: قوله تعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ» [٢]، حيث لا يخفى إنّ دلالة هذه الآية أظهر ممّا ذكره الأصحاب، لما ورد فيها من التعبير ب «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا» الذي يدلّ صريحاً على بيان التكليف وإنّه لا عقاب إلّابعد البيان، فلا حاجة فيها إلى التوجيه المذكور في تلك الآية من أنّ البعث كناية عن البيان.
الثانية: قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى» [٣]، حيث إنّ المراد من كلمة «قبله» هو قبل بعث الرسل، فتدلّ على البراءة بناءً على أنّ نقل كلام الكفّار مشعر بالقبول، لا سيّما مع عدم إنكار القرآن له.
والحاصل: إنّ لهذه الآيات الثلاثة مدلولًا واحداً مشتركاً، وهو البراءة في الشبهات الحكميّة مطلقاً.
ولكنّه قد يناقش في دلالتها بامور عديدة، أهمّها أمران:
[١]. سورة الإسراء، الآية ١٦
[٢]. سورة القصص، الآيه ٥٩
[٣]. سورة طه، الآية ١٣٤