طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٣ - المصلحة السلوكية وخروجها عن التصويب موضوعاً
أمّا القسم الثاني: من أنّ للَّهفي كلّ واقعة حكماً لمن وصل إليه الخطاب، وأمّا من لم يصل إليه الخطاب فلا حكم في حقّه، بل تصل النوبة حينئذٍ إلى تقنين الفقيه، فهو أيضاً باطل بكلتا مقدّمتيه.
لأنّ القول بأنّ الأحكام مخصوصة للعالمين فقط مخالف لظاهر جميع أدلّتها، فإنّ مثل قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» [١]، وقوله تعالى:
«إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً» [٢]، عامّ للجاهل والعالم، وليس العلم مأخوذاً في موضوعه، بل العلم طريق إليه، ولو فرضنا اختصاص الأحكام بالعالمين فلا دليل أيضاً على إعطاء حقّ التقنين بيد الفقيه كما مرّ.
وأمّا القسم الثالث: وهو التصويب المبني على القول بسببيّة الأمارات، ففيه أيضاً:
أنّه لا دليل على سببيّة الأمارات، فإنّ ظاهر أدلّتها هو الطريقيّة كما مرّ بيانه في محلّه، فقد قلنا هناك إنّ قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» بمعنى «فاسألوا حتّى تعلموا».
وممّا يؤكّد هذا المعنى ما مرّ كراراً من أنّ الأمارات الشرعيّة جلّها- لولا كلّها- امضاءات لبناءات العقلاء، ولا إشكال في أنّها عند العقلاء طرق إلى الواقع فقط.
المصلحة السلوكية وخروجها عن التصويب موضوعاً
وأمّا القسم الرابع: وهو أن يكون المراد من التصويب جعل أحكام ظاهريّة مماثلة لمؤدّيات الطرق والأمارات فلا إشكال فيه، بل لا يسمّى هذا تصويباً، فإنّ تسميته بالتصويب خلاف الاصطلاح؛ لأنّ مصطلح الفقهاء فيه إنّما هو في الأحكام الواقعيّة.
وقد يكون في سلوك هذه الطرق مصالح أهمّ من المصالح الواقعيّة الّتي تفوت من المكلّف، وهي الّتي يعبّر عنها بالمصالح السلوكية، وبهذا يندفع ما اورد على حجّية
[١]. سورة البقرة، الآية ١٨٣
[٢]. سورة النساء، الآية ١٠٣