طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣ - الثالث دليل العقل
الباري تعالى لأنّه يتوقّف على وجود الفقر والحاجة، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً.
ولذلك أرجع علماء علم الكلام هذه القاعدة إلى قاعدة وجوب دفع الضرر ببيان أنّ عدم شكر المنعم قد يكون سبباً لسلب النعمة وحصول الضرر على المنعَم (بالفتح) وحينئذٍ لا تكون هذه القاعدة من المستقلّات العقليّة ومن مصاديق قاعدة حسن العدل وقبح الظلم.
وأمّا الملاك الثاني: فيناقش فيه بأنّ لازمه إرشادية جميع الأوامر والنواهي الشرعيّة كأوامر الطبيب ونواهيه، فيتوجّه إلى المكلّف العاصي نفس المفسدة الموجودة في متعلّق النهي فحسب أو سلب المصلحة اللازمة في الأوامر منه مع أنّا نقول بالمولويّة واستحقاق ثواب وعقاب اخرويّين يترتّبان على الفعل والترك.
وأمّا الملاك الثالث: فهو الصحيح في وجوب الإطاعة وقبح المعصية لرجوعه إلى قبح الظلم بمعناه الواسع وهو وضع الشيء في غير موضعه.
فظهر أنّ ملاك وجوب طاعة اللَّه وقبح معصيته إنّما هو مولويته ومالكيته فللَّه تعالى حقّ الطاعة على العبد لأنّه مولاه ومالك لجميع شؤونه.
إذا عرفت هذا يقع البحث في حدود هذا الحقّ ودائرته.
فنقول: العقل حاكم على أنّ قيمة أغراض المولى ليست أقلّ من قيمة أغراض العبد، فكما أنّه يهتمّ بأغراضه حتّى في المحتملات والمشكوكات فيسلك فيها سبيل الاحتياط، كذلك يجب عليه الاحتياط في طريق النيل إلى أغراض المولى المحتملة والمشكوكة، ففي صورة الشك وعدم البيان الذي هو محلّ النزاع في المقام يحكم العقل بوجوب الاحتياط وقبح المعصية وحسن العقاب عكس ما هو المشهور من قبح العقاب بلا بيان.
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول(أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة) ؛ ج٢ ؛ ص١٧٣
والحاصل: أنّ العقل لا يحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بل يحكم بخلافه، نعم إنّها قاعدة عقلائيّة استقرّ عليها بناء العقلاء من أنّهم لا يأخذون العبيد بالعقاب قبل البيان، والفرق بين الصورتين أنّه إذا كانت القاعدة عقليّة فلا معنى لتحديدها