المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٩٨
عمر كتب إلى عمار بن ياسر أنى أتيت بشراب قد طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه فذهب منه شيطانه وريح جنونه وبقى طيبه وحلاله فمر المسلمين قبلك فليتوسعوا به في شرابهم، فبطل تعلقهم بشئ من ذلك، والعجب أنهم يحتجون في ابطال تحريم النبي صلى الله عليه وسلم التمر والزبيب مخلوطين في النبيذ! بان قالوا: لو شرب هذا ثم هذا أكان يحرم ذلك عليه؟ فلا فرق بين خلطهما قبل شربهما وبين خلطهما في جوفه فقلنا: لا يحل ان يعارض الله تعالى ولا النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا لكن تعارضون أنتم في بدعتكم هذه المضلة بان نقول لكم: أرأيتم العصير إذا اسكر قبل ان يطبح، ثم طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه أيحل عندكم؟ فمن قولهم: لا فنقول لهم: فما الفرق بين طبخه بعد ان يسكر وبين طبخه قبل أن يسكر والسكر حاصل فيه في كلا الوجهين؟ فإذا أبطل الطبخ تحريمه إذا اسكر بعده كذلك يبطل تحريمه إذا أسكر قبله، وهذا أصح في المعارضة * والوجه الثالث أنه قد صح عن عمر وغير عمر أنهم لم يراعوا ثلثين ولا ثلثا كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن أسلم مولى عمر قال: قدمنا الجابية مع عمر فأتينا بالطلاء وهو مثل عقد الرب انما يخاض بالمخوض خوضا فقال عمر بن الخطاب: ان في هذا الشرا با ما انتهى إليه * ومن طريق أحمد بن شعيب انا سويد بن نصرانا عبد الله - هو ابن المبارك - عن ابن جريج قراءة أخبرني عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: والله ما تحل النار شيئا ولا تحرمه قال: ثم فسر لي قوله: لا تحل النار شيئا لقولهم في الطلاء (ولا تحرمه) [١] * قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذى لا يصح [٢] عن أحد من الصحابة سواه، وصح عن طاوس أنه سئل عن الطلاء؟ فقال: أرايت الذى مثل العسل تأكله بالخبز وتصب عليه الماء فتشربه؟ عليك به ولا تقرب ما دونه ولا تشتره ولا تسقه ولاتبعه ولا تستعن بثمنه فانما راعى عمر. وعلى. وابن عباس ما لا يسكر فأحلوه، وما يسكر فحرموه، وقد صح عندنا أن بحبال رية [٣] أعنا با إذا طبخ عصيرها فنقص منه الربع صار رباخاثرا لا يسكر بعدها كالعسل فهذا حلال بلاشك، وشاهد نا بالجزائر أعنابا رميلة تطبخ حتى تذهب ثلاثة أرباعها وهى بعد خمر مسكرة كما كانت فهذا حرام بلا شك، وبالله تعالى التوفيق * فإذ قد بطلت هذه الاقوال كلها بالبراهين التى أوردنا وخرج قول أبى حنيفة وأصحابه عن أن يكون لهم متعلق بشئ من النصوص ولا برواية سقيمة. لا في مسند. ولافى مرسل. ولا عن صاحب. ولاعن تابع. ولا كان لهم سلف من الامة يعرف أصلا قبلهم فلنأت بعون
[١] الزيادة من سنن النسائي ج ٨ ص ٣٣١ أي رد لقولهم: (في الطلا انه يحل إذا ذهب ثلثاه)
[٢] في النسخة اليمنية (لا يحل) وليس بشئ *
[٣] بفتح أوله وتشديد ثانيه كورة واسعة بالاندلس متصلة بالجزيرة الخضراء وهى قبلى قرطبة اه ياقوت