المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٨٣
والناس أجمعين لا يقبل كالله منه صرفا ولا عدلا) [١]، وقوله عليه السلام مثل هذا فيمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا وهذا صحيح، وانما فيه الوعيد على من كاد أهلها ولا يحل كيد مسلم فليس فيه أنها أفضل من مكة، وقد قال تعالى عن مكة: (ومن يدر فيه بالحاد بظلم نذفة من عذاب أليم) فصح الوعيد على من ظلم بمكة كالوعيد على من كاد أهل المدينة * ومنها قوله عليه السلام: (لا يثبت أحد على لاوائها [٢] وشدتها الا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة) فانما في هذا الحض على الثبات على شدتها وأنه يكون لهم شفيعا وليس في هذا دليل على فضلها على مكة، وقد صح أنه عليه السلام يشفع لجميع أمته، وقد قال عليه السلام (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة)، وهذا لا يكون الا بمكة فهذا أفضل من الشفاعة التى يدخل فيها كل بر وفاجر من المسلمين * ومنها قوله عليه السلام: (اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) فليس في هذا دليل على فضلها على مكة وانما دعا عليه السلام بهذا كما ترى في أحد الامرين. اما ان يحببها إليهم كحبهم مكة. وإما أشد من حبهم مكة. والله أعلم أي الامرين أجيب به عاؤه عليه السلام، وحب البلد يكون للموافقة والالفة وليس في هذا فضل على مكة * ومنها قوله عليه السلام: (لقاب قوس [٣] أحدكم من الجنة أو موضع قيد - يعنى سوطه - خير منم الدينا وما فيها)، وقوله عليه السلام: (بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة ومنبرى على حوضى) وأرادوا أن يثبتوا من هذا ان مكة من الدنيا فموضع قاب قوس من تلك الروضد خير من مكة فليس هذا كما ظنوه، ولو كان كذلك لكانت مصر والكوفة وهيت خيرا من مكة. والمدينة * وروينا عن مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا محمد بن بشر نا عبيدالله - هو ابن عمر - عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: (سيحان. وجيحان. والفرات. والنيل كل من أنهار الجنة) [٤] وهذا مالا يقوله مسلم: ان هذه البلاد من أجل ما فيها من أنهار الجنة خير من مكة والمدينة * قال أبو محمد: وهذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة وأن هذه الانهار مهبطة من الجنة هذا باطل وكذب لان الله تعالى يقول في الجنة: (إن لك ان لا تجوع فيها ولاتعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فهذه صفة الجنة بلا شك وليست هذه صفة الانهار المذكورة ولا تلك الروضة، ورسول الله عليه السلام لا يقول الا الحق، فصح أن كون تلك الروضة من الجنة انما
[١] قال في الغريبين روى عن مكحول انه قال: الصرف التوبة والعدل الفدية وقال غيره: الصرف النافلة والعدل الفريضة *
[٢] اللاواء الشدة وضيق المعيشة *
[٣] قال في الصحاح قاب قوى وقيب قوس وقاد قوس وقيد قوس أي قدر قوس والقاب مابين المقبض والسنة ولكل قوس قابان اه
[٤] هو في صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٥١ *