المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٤٣
رسول الله عليه السلام قد بين لنا ما ألزمنا الله تعالى ولم يجز لنا تعدى ما نصه علينا ربنا تعالى ونبينا عليه السلام، فوجدنا الآية فيها حكم الصيد وليس فيها حكم غيره لا بتحريم، ولا باباحة، ووجدنا الخبر الذى فيه ذكر الخمس المحضوض على قتلها في الحرم والاحرام والحل ليس فيه حكم غيرها لا بتحريم، ولا باباحة فلم يجز أن يضاف إلى هذه الآية ولا إلى هذا الحديث ما ليس فيهما، فوجب النظر فيما لم يذكر فيهما وطلب حكمه من غيرهما فوجدنا الحيوان قسمين سوى ما ذكر في الآية والخبر، فقسم مباح قتله كجميع سباع الطير وذوات الاربع. والخنازير. والهوام. والقمل. والقردان. والحيات. والوزغ. وغير ذلك مما لا يختلف أنه لاحرج في قتله، وقسم محرم قتله بنصوص واردة فيه كالهدهد. والصرد. والضفادع. والنحل. والنمل، فوجب ان يحمل كل ذلك على حكمه كما كان وان لا ينقل بظن قد عارضه ظن آخر وبغير نص جلى، فهذا هو الحق الذى لا يجوز تعديه * (فان قيل): فان مالا يحل أكله قد يصيده المرء ليطعمه جوارحه قلنا: هذا باطل لان الله تعالى قد نص علينا حكم الصيد بقوله تعالى: (ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم و رماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). و بقوله تعالى: (فإذا حللتم فاصطادوا) فصح أن المحلل لنا إذا حللنا هو المحرم علينا إذا أحرمنا وانه تصيدما علمنا الله عزوجل حكمه الذي بالتزامه يتبين من يخاف ربه تعالى فيلتزم ما أمر به في صيده ويجتنب ما نهى عنه فيه ممن لا يخاف ربه فيعتدى ما أمره به تعالى، وليس هذا بيقين الا فيما تصيد للاكل وما علمنا قط في لغة ولا شريعة أن الجرى خلف الخنازير والاسد وقتلها يطلق عليه اسم صيد * (فان قيل): فما وجه اقتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الخمس؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق: ظاهر الخبر يدل على انها محضوض على قتلهن مندوب إليه ويكون غيرهن مباحا قتله أيضا وليس هذا الخبر مما يمنع أن يكون غير الخمس مأمورا بقتله أيضا كالوزغ. والافاعي. والحيات. والرتيلا [١]. والثعابين، وقد يكون عليه السلام تقدم بيانه في هذه فاكتفى عن اعادتها عند ذكره الخمس الفواسق، ولم يكن تقدم ذكره لهن، فلولا هذا الخبر ما علمنا الحض على قتل الغراب. ولا تحريم أكله وأكل الفأرة. والعقرب فله أعظم الفائدة ولله تعالى الحمد * وقد قلنا: إن هذا الحجاج كله لامدخل في شئ لابي حنيفة ولا لمالك لانهم زادوا على الخمس دواب كثيرة، ومنعوا من قتل دواب كثيرة بالرأى الفاسد المجرد، فلا بالاية تعلقوا ولا بالحديث *
[١] قال في اللسان (والرتيلا بالراء المهملة المضمومة وبعدها تاء مثناة من فوق مقصور وممدود عن السيرافى جنس من الهوام اه الدميري في حياة الحيوان: الرثيلا بضم الراء المهملة وفتح الثاء المثلثة جنس من الهوام ويمد ايضا اه، وهى هنا في جميع النسخ بالتاء المثناة من فوق *