المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٩١
الخمر من غير العنب أيضا كما روينا من طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن بشر نا عبد العزيز - هو الدراوردى - حدثنى نافع عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمروان بالمدينة خمسة أشربة كلها يدعونها الخمر ما فيها خمر العنب، فهذا بيان خبرهم بما يبطل تعلقهم به، فإذا أوجدناهم هذا فقد صح التنازع ووجب الرد للقرآن والسنة كما افترض الله تعالى علينا ان كنا مؤمنين، * وقالوا أيضا: قد صح عن ابرهيم النخعي تحريم السكر وعصير العنب إذا أسكر واباحة كل ما أسكر من الانبذة * ومن طريق ابن ابى شيبة عن محمد بن فضيل عن يزيد بن أبى زياد قال: رأيت عبد الرحمن بن ابى ليلى يشرب نبيذ الجر بعد أن يسكن غليانه، يزيد بن أبى زياد ضعيف * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى خالد الاحمر عن الاعمش عن الحكم عن شريح انه كان يشرب الطلاء الشديد، وهذا يخرج على انه لفيف جدا فلو كانت حراما ما خفى ذلك على من سلف * قال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد لانهم يقولون: بوضع الايدى على الركب في الصلاة وقد خفى ذلك على ابن مسعود (ابدا) [١] ويقولون: بأن يتيمم الجنب إذا لم يجد الماء وقد خفى ذلك على عمر بن الخطاب. وابن مسعود، وقد خفى على الانصار قول النبي صلى الله عليه وسلم (الائمة من قريش) حتى ذكروا به، والامر هنا يتسع، وليس كل صاحب يحيط بجميع السنن * وقالوا أيضا: قد صح الاجماع على تكفير من لم يقل بتحريم الخمر ولا يكفر من لم يحرم ما سواها من الانبذة المسكرة * قال أبو محمد: وهذا لا شئ لانه لو وجدنا انسانا غاب عنه تحريم الخمر فلم يبلغه لما كفرناه في احلالها حتى يبلغ إليه الامر فحينئذ ان أصر على استحلال مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر لاقبل ذلك، وكذلك مستحل النبيذ المسكر وكل ماصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمه لا يكفر من جهل ذلك ولم تقم عليه الحجة به، فإذا ثبت ذلك عنده وصح لديه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ذلك فأصر على استحلال مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر ولابد، ولا يكفر جاهل أبدا حتى يبلغه الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغه وثبت عنده فحينئذ يكفر ان اعتقد مخالفته عليه السلام ويفسق ان عمل بخلافه غير معتقد لجواز ذلك، قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقال تعالى: (لانذركم به ومن بلغ) * قال أبو محمد: فسقط كل ما شغب به أهل هذه المقالة، وأيضا فانه ليس في شئ مما أوردوا كله أوله عن آخره ولالفظة واحدة موافقة لقولهم: ان الخمر المحرمة ليست الا عصير
[١] الزيادة من النسخة رقم ١٤ *