المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٨١
لا يمترى فيه الا مستخف بالنبي عليه السلام أنه عليه السلام لم يعن بالمدينة تنفى الخبث إلا في خاص من الناس، وفي خاص من الزمان لا عام * وقد جاء كلامنا هذا نصا كما روينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز يعنى الدراوردى عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث: (ألا ان المدينة كالكير يخرج الخبث [١] لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد) * ومن طريق أحمد بن شعيب نا اسحاق ابن ابراهيم هو ابن راهويه - نا عمر بن عبد الواحد عن الاوزاعي عن إسحاق بن عبد الله ابن أبى طلحة عن أنس بن مالك (أن رسول الله عليه السلام قال: ليس بلد الا سيطؤه الدجال الا المدينة ومكة على كل نقب من انقاب المدينة الملائكة صافين يحر سونها فينزل السبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل منافق وكافر) [٢] وهذا نفس قولنا وليس في هذا كله انها أفضل من مكة لا بنص. ولا بدليل * ومعنى قوله عليه السلام (ما من بلد إلا سيطؤه الدجال الا مكة والمدينة) انما هو سيطؤه أمره وبعوثه لا يمكن غير هذا، وسكان المدينة اليوم أخبث الخبث وإنا لله وإنا إليه راجعون على مصيبتنا في ذلك، فبطل تمويههم بهذا الخبر * ومنها قوله عليه السلام (يفتح اليمن فيأتى قوم يبسون [٣] بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) وذكر مثل هذا حرفا حرفا في فتح الشام، وفتح العراق، وقوله عليه السلام (يأتي على الناس زمان يدعوا الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون والذى نفسي بيده لا يخرج أحر منهم رغبة عنها الا أخلف الله فيها خيرا منه) * قال أبو محمد: انما أخبر عليه السلام بأن المدينة خير لهم من اليمن. والشام. والعراق. وبلاد الرخاء وهذا لاشك فيه وليس فيه فضلها على مكة ولا ذكر لمكة أصلا * وأما اخباره عليه السلام أيضا بأن المدينة خير من هذه البلاد لهم فانما هو أيضا في خاص لاعام وهو من خرج عنها طلب رخاء، أو لعرض دنيا، وأما من خرج عنها لجهاد. أو لحكم بالعدل، أو لتعليم الناس دينهم فلا، بل الذى خرجوا له أفضل من مقامهم بالمدينة *
[١] في صحيح مسلم ج ١ ص ٣٨٩ (يخرج الخبيث)
[٢] لم أجده في سنن النسائي وهو في صحيح البخاري ج ٣ ص ٥٣
[٣] قال الجوهرى في الصحاح البس السوق اللين وفد بسست الابل ابسها بالضم وقال في الغريبين يقال في زجر الدابة إذا سقتها بس بس وهو زجر السوق في كلام اهل اليمن وفيه لغتان بسست وابسست وقال في النهاية: يقال: بسست الناقة وابسستها إذا سقتها وزجرتها و قلت لها: بس بس بكسر الباء وفتحها