المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٢٤
ذلك بلاشك مباحا قبل أن يقول عليه السلام: (كل ما يليك) فهو منسوخ بيقين بامره عليه السلام بالاكل مما يلى الآكل، ومن أدعى أن المنسوخ عاد مباحا لم يصدق الا ببرهان لانه دعوى بلا دليل، وأيضا فان هذا الخبر لما تدبرناه وجدناه ليس فيه البتة لانص ولا دليل على أنه عليه السلام أخذ الدباء مما لايليه ومن ادعى هذا فقد ادعى الباطل وقال: ما ليس في الحديث، وقد يكون الدباء في نواحى الضحفة مما يلى النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه ويساره فيتتبعه مما يليه في كل ذلك، وهذا الذى لا يجوز ان يحمل الخبر على ما سواه إذ ليس فيه ما يظن المخالف أصلا فبطل تعلقهم به ولله الحمد * فإذا أخذ المرء الشئ مما لايليه ثم جعله امامه فانما نهى عن أن يأكل مما لايليه، وهذا لم يأكل مما لايليه فإذا صار أمامه فله أكله حينئذ لانه مما يليه، وقد اجتر خالد بن الوليد الضب من يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكله ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وسنذكره ان شاء الله تعالى في باب الضب [١] وبالله تعالى التوفيق * ١٠٢١ - مسألة - ومن أكل وحده فلا يأكل الامما يليه لما ذكرنا آنفا فان أدار الصحفة فله ذلك لانه لم ينه عن ذلك فان كان الطعام لغيره لم يجز له يدير الصحفة لان واضعها أملك بوضعها، ولم يجعل له ادارتها انما جعل له الاكل مما يليه فقط، فان كانت القصعة والطعام له فله ان يديرها كما يشاء وان يرفعها إذا شاء لانه ماله وليس له أن يأكل الا مما يليه لان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عموم، وقال الله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) * ١٠٢٢ - مسألة - وتسمية الله تعالى فرض على كل آكل عند ابتداء أكله ولا يحل لاحد ان يأكل بشماله الا أن لا يقدر فيأكل بشماله لامر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن أبى سلمة الذى ذكرنا آنفا بالتسمية والاكل باليمين * ومن طريق الليث عن أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تأكلوا بالشمال فان الشيطان يأكل بالشمال)، وهذا عموم في النهى عن شماله وشمال غيره فان عجز فالله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * ومن تحكم فجعل بعض الاوامر فرضا وبعضها ندبا فقد قال على الله ورسوله: ما لا علم له به، وقال تعالى: (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) * ١٠٢٣ - مسألة - ولا يحل الاكل في آنية أهل الكتاب حتى تغسل بالماء إذا لم يجد
[١] في النسخة رقم ١٦ (في كتاب الصيد) وهو غلط لان كتاب الصيد لم يذكر فيه الصنف شيئا من هذا كما ياتي، وفى النسخة اليمنية، في باب الطيب وهو غلط أيضا لانه لا معنى لذكره في باب الطيب، وسياتى قريبا ذكر المسالة التى تتعلق بالضب ويذكر المصنف حديث خالد بن الوليد الذى أشار الله هنا والله أعلم