المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٩٢
العنب فقط دون نقيع الزبيب، وكذلك أيضا ليس في شئ منه ولا كلمة واحدة موافقة لقول من قال: ان الخمر المحرمة ليست الانقيع الزبيب الذى لم يطبخ وعصير العنب إذا أسكر، فصح أنهما قولان فاسدان مبتدعان خارجان عن كل أثر ثبت أو لم يثبت [١] وبالله تعالى التوفيق * والقول الخامس هو الذى روى عن أبى حنيفة من طريق محمد بن رستم عن محمد بن الحسن عن أبى يوسف عن أبى حنيفة - وهو الذى ينصره المتأخرون من مقلديه - على ان ذلك التفسير لا يحفظ عن أبى حنيفة وانما هو من آرائهم الخبيثة، والمحفوظ عن أبى حنيفة هو ما ذكره محمد ابن الحسن في الجامع الصغير في كلامه في العتق الذى بين كلامه في الكراهة وكلامه في الوهن [٢]، قال محمد: انا يعقوب عن أبى حنيفة قال: الخمر قليلها وكثيرها حرام في كتاب الله والسكر عندنا حرام مكروه ونقيع الزبيب عندنا إذا اشتدو غلى عندنا حرام مكروه والطلاء ما زاد على ما ذهب ثلثاه وبقى ثلثه فهو مكروه وما سوى ذلك من الاشربة فلا بأس به، وكان يكره دردى الخمران يشرب وان تمتشط به المرأة ولا يحد من شربه إلا أن يسكر فان سكر حد * هذا نص كلامهم هنالك ودردى الخمر هو العكر الذى يعقد منها في قاع الدن وهو خمر بلا شك فاعجبوا لهذا الهوس!، وأما رواية محمد بن رستم عن محمد بن الحسن فانما هي قال محمد: قال أبو حنيفة: الانبذة كلها حلال الا أربعة أشياء الخمر والمطبوخ إذا لم يذهب ثلثاه وبقى ثلثه. ونقيع التمر فانه السكر، ونقيع الزبيب ولا خلاف عن أبى حنيفة فيأن نقيع الدوشات عنده حلال وان أسكر، وكذلك نقيع الرب وان أسكر، والدوشات من التمر، والرب من العنب، وقال أبو يوسف: كل شراب من الانبذة يزداد جودة على الترك فهو مكروه والا أجيز بيعه ووقته عشرة أيام فإذا بقى أكثر من عشرة أيام فهو مكروه فان كان في عشرة ايام فأقل بلا بأس به، وهو قول محمد بن الحسن هذا كلامهم في الاصل الكبير، ثم رجع أبو يوسف إلى قول أبى حنيفة، وقال محمد بن الحسن: ما أسكر كثيره مما عدا الخمر أكرهه ولا أحرمه فان صلى انسان وفى ثبوته منه أكثر من قدر الدرهم البغلى بطلت صلاته وأعادها أبدا فاعجبوا لهذه السخافات، لئن كان تعاد منه الصلاة ابدا فهو نجس فكيف يبيح شرب النجس؟ ولئن كان حلالا فلم تعاد الصلاة من الحلا؟ ونعوذ بالله من الخذلان * قال أبو محمد: فأول فساد هذه الاقوال انها كلها أقوال ليس في القرآن شئ يوافقها ولافى شئ من السنن، ولافى شئ من الروايات الضعيفة، ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ولا صحيح ولاغير صحيح، ولا عن أحد من التابعين ولاعن أحد من خلق الله تعالى قبل أبى حنيفة ولا أحد قبل أبى يوسف في تحديده عشرة الايام فيالعظيم مصيبة هؤلاء القوم في
[١] قوله (أولم يثبت) سقط من النسخة رقم ١٤
[٢] في النسخة رقم ١٦ (وكلامهم في الرهن) فليتثبت *