المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٥٨
وانما يكون بهذه الصفة من غلبه الضعف فانما أمر عليه السلام بذلك فيمن لا يستطيع ثباتا على الدابة وليس للشيخ هنالك معنى أصلا، وأيضا فانه ليس للشيخ حد محدود إذا بلغه المرء سمى شيخا ولم يسم شيخا حتى يبلغه، ودين الله تعالى لا يتسامح [١] فيه ولا يؤخذ بالظنون الكاذبة المفتراة المشروع بها ما لم يأذن به الله تعالى، ولو كان للشيخ في ذلك حكم لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حده الذى به ينتقل حكمه إلى ان يحج عنه كما أثبت ذلك فيمن [٢] لايستطيع الثابت على الراحلة ولا المشى إلى الحج، فصح انه ليس للشيخ في ذلك حكم أصلا وانما الحكم للعجز عن الركوب والمشى فقط وبالله تعالى التوفيق، فكان هذا استطاعة للسبيل مضافة إلى القوة بالجسم وبالمال * قال أبو محمد: فتعلل قوم في هذه الآثار بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني عن يزيد بن الاصم عن ابن عباس (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأحج عن أبى؟ قال: نعم ان لم تزده خيرا لم تزده شرا) [٣] قالوا: فهذا دليل على أنه ندب لافرض * قال على: وهذا لاحجة لهم فيه لانه ليس فيه ان أباه كان ميتا ولا أنه كان عاجزا عن الركوب والمشى ولا أنه كان حج الفريضة بل انما هو سؤال مطلق عن الحج عن غيره ممن هو ممكن ان يكون قد حج عن نفسه أو أنه قادر على الحج فاجابه عليه السلام باباحة ذلك وانما في [٤] هذا الخبر جواز الحج عن كل أحد ولا مزيد وهو قولنا، وأما تلك الاحاديث ففيها بيان انها في الحج الفرض، وأيضا فليس قوله عليه السلام: (ان لم تزده خيرا لم تزده شرا) بمخرج لذلك عن الفرض إلى التطوع لان هذه صفة كل عمل مفترض أو تطوع ان لم يتقبل من المرء فانه على كل حال لا يكتب له به سيئة، فبطل اعتراضهم بهذا الخبر * وقالوا: قال الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) قال على: هذه سورة مكية بلا خلاف، وهذه الاحاديث كانت في حجة الوداع فصح ان الله تعالى بعد ان لم يجعل للانسان الا ما سعى تفضل على عباده وجعل لهم ما سعى فيه غيرهم عنهم بهذه النصوص الثابتة * وقال بعضهم: قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال على: إذا أمر الله تعالى ان تزر وازرة وزر أخرى لزم ذلك وكان مخصوصا من هذه الآية، وقد أجمعوا معنا على ان العاقلة لم تقتل وانها تعزم عن القاتل ولم يعترضوا على ذلك بهذه الآية وليس
[١] في النسخة رقم (١٦) (لا يسامح)
[٢] في النسخة رقم (١٤) (فيما) وهو غلط لان مالما لا يعقل
[٣] قال المحب الطبري في كتاب القرى القاصد أم القرى: اخرجه البزار
[٤] في النسخة رقم (١٦) (فانما) وما هنا احسن *