المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٨١
لا يوجبوا زكاة الا حيث أوجبها اجماع، ولافريضة حج أو صلاة الا حيث صح الاجماع على وجوبها، وان لا يثبتوا الربا الا حيث أجمعت الامة على انه ربا، ومن التزم هذا المذهب خرج عن دين الاسلام بلاشك لوجهين * أحدهما انه مذهب مفترى لم يأمر الله تعالى به قط ولا رسوله عليه السلام وانما امر الله تعالى باتباع القرآن. وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأولى الامر باتباع الاجماع، ولم يأمر الله تعالى قط بأن لايتبع الا الاجماع ولا قال تعالى قط ولا رسوله عليه السلام: لا تأخذوا مما اختلف فيه الا ما اجمع عليه، ومن ادعى هذا فقد افترى على الله الكذب وأيت بدين مبتدع وبالضلال المبين، انما قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) وقال تعالى: (وما آتاكم الرسلو فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال تعالى: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ولم يقل تعالى: فردوه إلى الاجماع، فمن رد ما تنوزع فيه إلى الاجماع لا إلى نص القرآن والسنة فقد عصى الله تعالى ورسوله عليه السلام، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وأما نحن فنتبع الاجماع فيما صح انهم أجمعوا عليه ولا نخالفه أصلا ونرد ما تنوزع فيه إلى القرآن. والسنة فنأخذ ما فيهما وان لم يجمع على الاخذ به وبهذا أمر الله تعالى في القرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم وعليه أجمع أهل الاسلام وما نعلم احدا قال قط: لاألتزم في شئ من الدين الا ما أجمع الناس عليه فقد صاروا بهذا الاصل مخالفين للاجماع بلا شك * والوجه الثاني أنه مذهب يقتضى ان لا يلتفت للقرآن [١] والسنن إذا وجد الاختلاف في شئ من أحكامهما وليس هذا من دين الاسلام في شئ مع أنه في اكثر الامر كذب على الامة وقول بلا علم، وأيضا فانهم لا يلتزمون هذا الاصل الفاسد الا في مسائل قليلة جدا وهو مبطل لسائر مذاهبهم كلها فعاد عليهم وبالله تعالى التوفيق * وأما الاخبار فمنها خبر صح عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والمسكر من كل شراب، رويناه من طريق قاسم بن اصبغ نا أحمد بن زهير نا أبو نعيم الفضل ابن دكين عن مسعر عن أبى عون عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ولا حجة لهم فيه لاننا رويناه من طريق احمد بن شعيب انا الحسين بن منصور نا أحمد بن حنبل نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن مسعر عن أبى عون عن عبد الله بن شداد عن ابى عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب [٢]، وشعبة بلا خلاف أضبط واحفظ من أبى نعيم، وقد روى فيه زيادة على ما روى أبو نعيم وزيادة العدل لا يحل تركها،
[١] في النسخة رقم ١٤ ورقم ١٦ (ان لا يلتفت القران)
[٢] هو في سنن النسائي ج ٨ ص ٣٢١ *