المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٧٣
انه قال: لو كان أكل الجارح يحرم منه ما بقى لم يحل لاحدان يبادر إلى الضارى [١] حتى يدرى [٢] أيأكل منه أم لا؟ * قال أبو محمد: وهذا (قول) [٣] في غاية السقوط لان باول دقيقة يمكن الجارح ان يأكل مما قتل فان لم يفعل علمنا انه على مرسله أمسك لاعلى نفسه فكيف ولم نكلف قط هذا؟ انما أمر عليه السلام ان لا نأكل إذا أكل، واف أوتف لكل عقل يعترض على الله تعالى وعلى رسوله الله صلى الله عليه وسلم، فسقط هذا القول وبطل جملة وبالله تعالى التوفيق * وأما جواز أكل كل ما قتله المعلم من غير الكلاب فقد اختلف في هذا فروينا عن ابن عمر ما رويناه عنه آنفا من أنه لا يحل أكل صيد قتله شئ من الجوارح الا المعلم من الكلاب وحده وصح أيضا عن مجاهد، وصح عن ابن عباس كل ما علم فصاد فأكل ما قتل جائز * واحتج من منع ذلك بان الاخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما جاءت في الكلب فقط قالوا: وقول الله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) اشارة إلى الكلاب قالوا: وسباع الطير. وسباع البر لا يمكن فيها تعليم أصلا حاشا الكلاب فقط * قال أبو محمد: أما الاخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فكما قالوا الا ان الآية أعم من تلك الاحاديث [٤] لقول الله تعالى: (من الجوارح) فعم كل جارح، وهذا لا يجوز تركه لخبر فيه بعض ما في الآية، وأما قوله تعالى: (مكلبين) فليس فيه دليل على انه لا يؤكل ما قتله غير الكلب من الصيد أصلا لا بنص ولا بدليل بل فيه بيان بأن صيد غير الكلاب جائز بقوله تعالى: (مكلبين) لانها لا تحتمل هذه اللفظة البتة الا ان يجعلها في حال الكلاب فصح انها غير الكلاب أيضا * وأما قولهم: ان ما عدا الكلاب لا يقبل التعليم المذكور أصلا فالواجب ان ينظر في ذلك فان وجد منها نوع يقبل التعليم فلا ينطلق حتى يطلقه صاحبه وإذا صادلم يأكل فهو معلم يؤكل ما قتل وان لم يوجد ذلك اصلا فلا يجوز اكل شئ مما قتلت الاما أدركت ذكاته وهو حى بعد، وبالله تعالى التوفيق، وقد قال قوم: يؤكل صيد البازى وان أكل وهو قول أبى حنيفة * قال أبو محمد: وهذا باطل لان الله تعالى لم يبح لنا ان نأكل الا مما أمسكن علينا لامما أمسكن جملة ولامما امسكن على انفسهن، وقولنا هو قول الشافعي، وهو أيضا قول عطاء. وعكرمة كما ذكرنا قبل، وعن ابن عباس ما أكلت الجوارح فلا تأكل وبالله تعالى التوفيق * *
[١] في النسخة رقم ١٦ (إلى البازى)
[٢] في النسخة رقم ١٦ (حتى يعلم)
[٣] الزيادة من النسخة ١٦
[٤] في النسخة رقم ١٦ (من ذلك الاحاديث) *