المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٢٨
مأكلا الا الخنازير والميتات: انه مباح له أكله فاعانوه على أعظم الظلم وأشد البغى والعدوان والعجب أنهم موهوا ههنا بقول الله تعالى: (ولا تقتلوا انفسكم) * قال أبو محمد وهذا من أقبح ما يكون من الايهام وما أمرناه بقتل نفسه بل بما افترض الله تعالى عليه من التوبة فلينوها بقبله وليمسك عن البغى والامتناع من الحق بيديه ثم يأكل ما اضطر إليه حلالا له وما سمعنا بقول أقبح من قولهم هذا أن لا يأمروه بالتوبة من البغى ويبيحوا له التقوى على الافساد في الارض بأكل الميتة والخنزير نبرأ إلى الله من هذا القول * روينا عن مجاهد (غير باغ ولاعاد) غير باغ على المسلمين ولاعاد عليهم، قال مجاهد: ومن يخرج لقطع الطريق أو في معصية الله تعالى فاضطر إلى الميتة لم تحل له إنما تحل لمن خرج في سبيل الله تعالى فان اضطر إليها فليأكل * وعن سعيد بن جبير (فمن اضطر عير باغ ولاعاد) قال: إذا خرج في سبيل من سبل الله تعالى فاضطر إلى الميتة اكل وان خرج إلى قطع الطريق فلا رخصة له * وموهوا مما رويناه من طريق سلمة بن سابور [١] عن عطية عن ابن عباس ان معنى الباغى والعادي انما هو في الاكل * قال أبو محمد: وهذا لاحجة لهم فيه لوجوه ثلاثة، أولها أنه لاحجة في قول أحد في تخصيص القرآن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانى انه اسناد فاسد لا يصح لان سلمة بن سابور ضعيف، وعطية مجهول، والثالث انه لو صح لكان موافقا لقولنا لا لقولهم لان الباغى في الاكل والعادي فيه هو من أكله فيما لم يبح له وأكله في البغى على المسلمين باغ في الاكل وعاد فيه، وهكذا نقول وما قال قط أحد نعلمه قبلهم: ان من خرج مفسدا في الارض فاضطر إلى الميتة فله أكلها مصرا على افساده متقويا على ظلم المسلمين ونعوذ بالله من الخذلان، وقال قائلون: لا يحل له ان يأكل من ذلك الا ما يمسك رمقة * قال على: وهذا خطأ لان الله تعالى استثنى المضطر من التحريم فهو بلاشك غير داخل في التحريم واذ هو غير داخل فيه فكل ذلك مباح له جملة * ١٠٢٧ - مسألة - والسرف حرام وهو النفقة فيما حرم الله تعالى قلت أو كثرت ولو انها جزء من قدر جناح بعوضة، أو التبذير [٢] فيما لا يحتاج إليه ضرورة مما لا يبقى للمنفق بعده غنى، أو اضاعة المال وان قل برميه عبثا فما عدا هذه الوجوه فليس سرفا وهو حلال وان كثرت النفقة فيه، وقولنا هذا رويناه عن سعيد بن جبير وغيره قال الله تعالى: (ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)، ومن طريق ابن وهب انا يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك فذكر الحديث وفيه (فقلت:
[١] هو بالسين المهملة، وفى بعض النسخ بالشين المعجمة وهو تصحيف
[٢] في النسخة رقم ١٤ (والتبذير) *