المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٣٩١
وروينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا ليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذى نفسي بيده) [١] ليوسكن ان ينزل فيكم ابن مريم صلى الله عليه وسلم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضح الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) * ومن طريق مسلم نا هارون بن عبد الله نا حجاج - هو ابن محمد - (عن ابن جريج) [٢] نا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول: أميرهم تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم علي بعض امراء تكرمة الله هذه الامة)، فصح ان النبي صلى الله عليه وسلم صوب قتل عيسى عليه السلام للخنازير واخبر أنه بحكم الاسلام ينزل وبه يحكم، وقد صح أنه عليه السلام نهى عن اضاعة المال فلو كانت الذكاة تعمل في شئ من الخنزير لما اباح عليه السلام قتله فيضيع، فصح أنه كله ميتة محرم على كل حال، وقد ادعى بعض من لا يبالي ما اطلق به لسانه من أصحاب القياس ان شحم الخنزير انما حرم قياسا على لحمه وان الاجماع علي تحريمه انما هو من قبل القياس المذكور * قال أبو محمد: فيقال لمن قال هذا التخليط الظاهر فساده: أول بطلان قولك أنه دعوى بلا برهان، وثانيه أنه كذب على الامة كلها إذ قلت أنها انما اجمعت على الباطل من القياس، والثالث أنه لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه لا علة تجمع بين الشحم واللحم، (فان قالوا): لان الشحم بعض اللحم ومن اللحم لانه من اللحم تولد قلنا لهم: أمما قولكم: ان الشحم بعض اللحم فباطل لانه لو كان ذلك لكان الشحم لحما وهذا لم تأت به لغة قط ولا شريعة، وأما قولكم لانه من اللحم تولد فنحن تولدنا من التراب ولسنا ترابا، والدجاجة تولدت من البيضة وليست بيضة، والتمر تولد من النخل وليس نخلا، واللحم تولد من الدم واللبن تولد من الدم وليس اللحم دما ولا اللبن دما بل هما حلالان، والدم حرام وكل ما تولد من شئ فلم يقع عليه اسم ما تولد منه فهو نوع آخر ولايجوز أن يحكم له بحكمه لا في اللغة ولا في الديانة، وقد حرم الله تعالى الشحم على بنى اسرائيل فلم يحرم اللحم بتحريم الشحم. نعم ولا حرم شحم الظهر ولا شحم الصدر ولاشحم الحوايا لتحريم شحم البطن، ولا يدرى ذو عقل من أين وجب إذا حرم اللحم ان يحرم الشحم؟ وقد بينا فرق ما بينهما آنفا * والرابع ان يقال لهم أترون سف عظمه
[١] الزيادة من صحيح مسلم ج ١ ص ٥٤
[٢] الزيادة من صحيح مسلم ج ١ ص ٥٥