المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٨٠
مقلدوه بأخبار ثابتة * منها قوله عليه السلام (ان ابراهيم حرم مكة ودعا لها وانى حرمت المدينة كما حرم ابراهيم مكة وانى دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به ابراهيم لاهل مكة) * قال أبو محمد: هذا لاحجة لهم فيه لانه لادليل فيه على فضل المدينة على مكة أصلا وانما فيه أنه عليه السلام حرمها كما حرم ابراهيم مكة ودعا لها كما دعا ابراهيم لمكة فقط، وهذا حق وقد دعا عليه السلام للمسلمين كلهم كما دعا لابي بكر. وعمر. ولاصحابه رضى الله عنهم فهل في ذلك دليل على فضلنا عليهم أو على مساواتنا لهم في الفضل؟ هذا مالا يقوله ذو عقل، وقد حرم عليه السلام الدماء والاعراض والاموال وليس في ذلك دليل على فضل، واحتجوا بخبر آخر صحيح أنه عليه السلام كان يقول: (اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا ومدنا اللهم ان ابراهيم عبدك وخليلك ونبيك وأنه دعاك لمكة وانى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه) وبخبر صحيح فيه (اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة) وهذا لاحجة فيه في فضل المدينة على مكة وانما فيه الدعاء للمدينة بالبركة، ونعم هي والله مباركة، وانما دعا ابراهيم لمكة بما أخبر به تعالى إذ يقول: (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات)، ولاشك في أن الثمار بالمدينة أكثر مما بمكة، ولاشك في أن النبي عليه السلام لم يدع للمدينة بأن تهوى أفئدة الناس إليها أكثر من هويها إلى مكة لان الحج إلى مكة لاإلى المدينة، فصح أن دعاءه عليه السلام للمدينة بمثل ما دعا به ابراهيم لمكة ومثله معه انما هو في الرزق من الثمرات وليس هذا من باب الفضل في شئ * ومنها قوله عليه السلام (المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع [١] طيبها، وانما تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد) ولا حجة فيه في فضلها على مكة لان هذا الخبر انما هو في وقت دون وقت، وفي قوم دون قوم، وفي خاص لافى عام * برهان ذلك أنه عليه السلام لا يقول: إلا الحق، ومن أجاز على النبي عليه السلام الكذب فهو كافر، وقال الله تعالى: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)، وقال تعالى: (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار)، فصح أن المنافقين أخبث الخلق بلا خلاف من أحد من المسلمين وكانوا بالمدينة، وكذلك قد خرج على. وطلحة. والزبير. وأبو عبيدة بن الجراح. معاذ. وابن مسعود عن المدينة وهم من أطيب الخلق رضى الله عنهم بلا خلاف من مسلم حاشا الخوارج في بغضهم، فصح يقينا
[١] قال الجوهرى في الصحاح: الناصع الخالص من كل شئ: ابيض ناصع واصفر ناصع وقال ابن الاثير في النهاية (وتنصع طيبها) أي تخلصه، ويروى (ينصع) أي يظهر *