المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٥٣
قال أبو محمد: وههنا قولان آخران، أحدهما قوم قالوا: لحم الصيد حلال للمحرم ما لم يصده هو أو يصد له، واحتجوا بما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال: (خرجت مع رسول الله عليه السلام زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمار وحش فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه للنبى عليه السلام وذكرت أنى لم أكن أحرمت فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته انى اصطدته له * وبما رويناه من طريق عمرو بن أبى عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: (صيد البر لكم حلال وأنتم حرم الا ما اصطدتم وصيد لكم) فروينا هذا عن عثمان وأنه أتى بصيد وهو وأصحابه محرمون فأمرهم بأكله ولم يأكله هو فقال له عمرو بن العاصى: يا عجبا لك تأمرنا ان نأكل مما لست آكلا فقال عثمان: ان أظن انما صيد من أجلى فأكلوا ولم يأكل، وهو قول مالك * قال أبو محمد: أما خبر جابر فساقط لانه عن عمرو بن أبى عمرو وهو ضعيف، وأما خبر أبى قتادة قان معمرا رواه كما ذكرنا، ورواه عن يحيى بن أبى كثير معاوية بن سلام، وهشام الدستوائى كلاهما يقول فيه. عن يحيى حدثنى عبد الله بن أبى قتادة ولا يذكران ما ذكر معمر، ولم يذكر فيه معمر سماع يحيى له من عبد الله بن أبى قتادة، ورواه أيضا شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهوب عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبى قتادة على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى فلم يذكر فيه ما ذكر معمر، ورواه أيضا أبو محمد مولى أبى قتادة عن أبى قتادة فلم يذكر فيه ما ذكر معمر، ورواه أبو حازم عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبى قتادة فذكر أن رسول الله عليه السلام أكل منه * فلا يخلو العمل في هذا من ثلاثة أوجه. اما ان تغلب رواية الجماعة على رواية معمر لاسيما وفيهم من يذكر سماع يحيى من ابن أبى قتادة ولم يذكر معمرا، أو تسقط رواية يحيى بن أبى كثير جملة لانه اظطرب عليه ويؤخذ برواية أبى حازم. وأبى محمد. وابن موهب الذين لم يضطرب عليهم لانه لا يشك ذو حس ان إحدى الروايتين وهم، إذ لا يجوز أن تصح الرواية في أنه عليه السلام أكل منه وتصح الرواية في أنه عليه السلام لم يأكل منه وهى قصة واحدة في وقت واحد في مكان واحد في صيد واحد ويؤخذ بالزائد وهو الحق الذى لا يجوز تعديه * فنظرنا في ذلك فوجدنا من روى عن عبد الله بن أبى قتادة (أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أكل منه) قد أثبت خبرا وزاد علما على من روى عنه انه عليه السلام لم يأكل منه فوجب الاخذ بالزائد ولابد وترك رواية من لم يثبت ما أثبته غيره، و بالله تعالى التوفيق * وأما فعل عثمان فاننا روينا من طريق سعيد بن منصور انا ابن وهب انا عمرو بن الحارث