المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٤٧
قال على: وهذا الاحتجاج في غاية الغثانة ويقال لهم: (نعم) [١] فكان ماذا؟ ومن أين وجب من هذا ان يكون أهل المواقيت فما وراءها إلى مكة هم حاضرو المسجد الحرام؟ وهل هذا التخليط إلا كمن قال: وجدنا كل من كان في أرض الاسلام ليس له ان يطلق سيفه - فيمن لقى - وغارته؟، ووجدنا من كان في دار الحرب له ان يطلق سيفه وغارته، فصح ان لاهل (دار) [٢] الاسلام حكما غير حكم غيرها فوجب من ذلك ان يكون جميع أهل دار الاسلام حاضرو المسجد الحرام، ثم يقال له: ان الحاضر عندكم يتم الصلاة والمسافر يقصرها فإذا كان أهل ذى الحليفة. والجحفة حاضرى المسجد الحرام - وهم عندكم يقصرون إلى مكة ويفطرون - فكيف يكون الحاضر يقصر ويفطر؟ * والعجب كله ان جعل من كان في ذى الحليفة ساكنا من حاضرى المسجد الحرام وبينهم وبين مكة نحو مائتي يل، وجعل من كان ساكنا خلف يلملم ليس من حاضرى المسجد الحرام وليس بينه وبينها إلا ثلاثة وثلاثون ميلا فهل في التخليط أكثر من هذا؟ وانا لله وانا إليه راجعون إذ صارت الشرائع في دين الله تعالى تشرع بمثل هذا الرأى * وأما قول مالك: فتخصيصه ذا طوى قول لادليل عليه ولا نعلم هذا القول عن أحد قبل مالك، وأما قول الشافعي: فانه بنى قوله ههنا على قوله فيما تقصر فيه الصلاة، وقوله هنالك خطأ فبنى الخطأ على الخطأ، ويقال لهم: أنتم تقولون: لا يجوز التيمم للحاضر المقيم أصلا ويجوز لمن كان على ميل ونحوه من منزله، فهلا جعلتم حاضرى المسجد الحرام قياسا على من يجوز له التيمم؟، وهذا مالا انفكاك منه، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون. والمالكيون. والشافعيون صاحبا لايعرف له مخالف من الصحابة وهم يشنعون بهذا * وأما قول سفيان. وداود: فوهم منهما لان الله تعالى لم يقل. حاضرى مكة وانما قال تعالى: (حاضرى المسجد الحرام) فسقطت مراعاة مكة ههنا وصح ان المراعى ههنا انما هو المسجد الحرام فقط، فإذ ذلك كذلك فواجب ان نطلب مراد الله تعالى بقوله (حاضرى المسجد الحرام) لنعرف من ألزمه اله تعالى الهدى أو الصوم ان تمتع ممن لم يلزمه الله تعالى ذلك فنظرنا فوجدنا لفظة المسجد الحرام لا تخلو من أحد ثلاثة وجوه [٣] لا رابع لها: اما ان يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط، أوما أحاطت به جدران المسجد فقط، أم أراد الحرم كله لانه لا يقع اسم مسجد حرام الا على هذه الوجوه فقط، فبطل ان يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط لانه لو كان ذلك لكان لا يسقط الهدى الا عمن أهله في
[١] الزيادة من النسخة رقم (١٤)
[٢] الزيادة من النسخة رقم (١٤)
[٣] في النسخة رقم (١٦) (من احد ثلاثة اوجه) *