تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٤٦ - في بيان عقيدة الشيعة و أهل السنّة
كما كان عليه في سائر العهود، و هذه سنّة الأنبياء بأمر اللّه تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا [١].
سؤال: و اعترض خصوم الشيعة بالطعن عليهم قائلين: إنّ الفرق ما بيننا و بينكم هو في الأقلّيّة و الأكثريّة، و الأكثريّة بجانبنا.
فأجاب الشيعة بعدّة أجوبة:
أوّلها: إنّ الكثرة وقعت موقع المذمّة و النقصان، و دلّت على البطلان، و لقد قال إمامكم الفخر الرازي: إنّ كثرة أسباب الضلالة موجبة لكثرة الضلالة.
ثانيها: في قصّة نوح (عليه السلام): وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [٢]، و جاء في التفاسير أنّ هؤلاء كانوا سبعين أو اثنين و ثمانين شخصا، و لمّا هبطوا من السفينة كفروا بأجمعهم إلّا ثمانية أشخاص و هم: نوح و سام و حام و يافث مع أزواجهم، و كفر الباقون و رجعوا إلى عبادة الأصنام.
و وجه الدلالة في هذا أنّ نوحا لبث فيهم ألفا إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى اللّه فما آمن معه إلّا قليل، و ظلّ الباقون من أهل العلم على كفرهم و ضلالتهم، فما يضير الشيعة أن يقلّ عددهم عن غيرهم.
الثالث: قصّة موسى (عليه السلام) كما ذكرها اللّه و فيها ذكر القوم الذين آمنوا به: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ [٣]، و جاء في التفسير أنّ فرعون أرسل في مقدّمة الجيش خمسمائة قائد، و كلّ قائد معه عدد من الجيوش تجشّمهم يتعقّب بني إسرائيل، و خرج فرعون بجيش لا يحصى عدده إلّا اللّه تعالى، و خرج موسى بثمانين
[١] الإسراء: ٧٧.
[٢] هود: ٤٠.
[٣] الشعراء: ٥٤ و ٥٥.