تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ١٧٧ - الباب الثامن في المناقب و الأخبار التي افتروها زخرفة لأباطيلهم
- ٣٠: ٣٥٦؛ تهذيب التهذيب لابن حجر ١١: ٧٧؛ سبل الهدى و الرشاد ١١: ٢٤٥.
و ربّما كان جواب المأمون للعلماء من خيرة الأجوبة و قد ذكره الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (٢: ٢٠٠) و قال بعد مسائلتهم و تفضيلهم الاثنين بالكلام الموضوع: اقتدوا باللذين من بعدي ... الخ، قال المأمون:
الروايات كثيرة و لا بدّ أن تكون كلّها حقّا أو كلّها باطلا، أو بعضها حقّا أو بعضها باطلا. فلو كانت كلّها حقّا كانت كلّها باطلا من قبل أنّ بعضها ينقض بعضا، و لو كانت كلّها باطلا كان في بطلانها بطلان الدين و دروس الشريعة، فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار و هو بعضها حقّ و بعضها باطل. فإذا كان كذلك فلا بدّ من دليل على ما يحقّ منها لتعتقد و ينفى خلافه، فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقّا كان أولى ما اعتقده و أخذ به، و روايتك هذه من الأخبار التي أدلّتها باطلة في نفسها، و ذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحكم الحكماء و أولى الخلق بالصدق و أبعد الناس من الأمر بالمحال، و حمل الناس على التديّن بالخلاف.
و ذلك أنّ هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متفقين من كلّ جهة أو مختلفين؛ فإن كانا متفقين من كلّ جهة كانا واحدا في العدد و الصفة و الصورة و الجسم و هذا معدوم أن يكون اثنان بمعنى واحد من كلّ جهة، و إن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما، و هذا تكليف ما لا يطاق؛ لأنّك إذا اقتديت بواحد خالفت الآخر.
و الدليل على اختلافهما أنّ أبا بكر سبى أهل الردّة و ردّهم عمر أحرارا، و أشار إلى أبي بكر بعزل خالد و بقتله بمالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه، و حرّم عمر المتعتين و لم يفعل ذلك أبو بكر، و وضع عمر ديوان العطيّة و لم يفعله أبو بكر، و استخلف أبو بكر و لم يفعل ذلك عمر، و لهذا نظائر كثيرة.
قال مصنّف هذا الكتاب (الصدوق) رضي اللّه عنه: في هذا فصل و لم يذكر المأمون لخصمه و هو أنّهم لم يرووا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر، و إنّما رووا أبو بكر و عمر، و منهم من روى أبا بكر و عمر، فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصب: اقتدوا باللذين من بعدي كتاب اللّه و عترتي يا أبا بكر و عمر، و معنى قوله بالرفع: اقتدوا أيّها الناس و أبو بكر و عمر باللذين من بعدي كتاب اللّه و العترة ... انتهى موضع الحاجة منه.
أقول: هذا توجيه ركيك جدّا لا ينطق به سيّد الفصحاء و البلغاء، و لو صحّ التوجيه الأوّل لقال:-