تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٧٠ - الفصل الرابع في ذكر الوصيّة
و قام آخر و طلب ذلك من رسول اللّه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): سبقك بها عكاشة فلم يصل أحد إلى ما وصل إليه عكاشة، فلمّا كانت الجمعة خرج إلى المسجد و صلّى صلاة الجمعة و وعظ الناس وعظا شديدا.
الفصل الرابع: في ذكر الوصيّة
يقول أمير المؤمنين: لمّا نزلت سورة «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ» بدأ المرض برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يمكث في بيته بل خرج يوم الخميس معصوب الرأس، فصعد على المنبر و قد امتقع لونه الشريف، فجرت دموعه و نادى بلال أن يجمع له الناس، فصاح فيهم: الصلاة جامعة، هلمّوا إلى رسول اللّه ليوصيكم فإنّها آخر وصاياه، فأمّ الناس المسجد من رجل و امرأة و صغير و كبير، حتّى غصّ بهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): وسّعوا لمن وراءكم، وسّعوا لمن وراءكم، ثمّ قام قائما على قدميه و الدموع جارية على وجنتيه، و قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و حمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على إخوانه الأنبياء.
ثمّ قال: أنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، لا نبيّ بعدي، أيّها الناس اعلموا أنّ نفسي نعيت، و حان فراقي من الدنيا، و اشتقت لقاء ربّي، فواحزناه على فراق أمّتي، ماذا يقولون من بعدي، اللهمّ سلّم سلّم، أيّها الناس اسمعوا وصيّتي لكم، أيّها الناس قد بيّن اللّه لكم في محكم كتابه ما أحلّ لكم و ما حرّم عليكم، فأحلّوا حلاله و حرّموا حرامه، و آمنوا بمتشابهه و اعملوا بمحكمه و اعتبروا بأمثاله، ثمّ رفع طرفه إلى السماء و قال: اللهمّ هل بلّغت.
أيّها الناس، إيّاكم و هذه الأهواء الضالّة البعيدة من اللّه، و البعيدة من الجنّة، و القريبة من النار، اللهمّ هل بلّغت.