تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٤٠ - الباب الثاني في أقسام النعم
لم نحوّل القبلة إلى الكعبة التي كانت تدور في خلدك و كانت رغبة لك إلّا لنميّز من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبه و يعود إلى كفره الأوّل: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [١] أي الكافر من المسلم.
و في موضع آخر دلّ على كثرة الخبيث كما قال: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [٢]، و الطهارة عبارة عن الإسلام، و الخبث عبارة عن الكفر و النفاق، و هذا الابتلاء محك لرجال العالم و المائز بين العالمين و الجاهلين، و إظهار لكفر الكافرين و نفاق المنافقين: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [٣].
الثامن: هديّة الهدى لعباده كرامة من لدنه سبحانه و لم يسلمهم إلى حيّز الابتلاء بل ألهمهم كيفيّة الاستدلال و ألزمهم الحجّة على ذلك، و جعل مدح الدنيا و مدح ثواب الآخرة في عرض طاعة العبوديّة كما قال: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [٤] و قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [٥].
و جعل ذمّ الدنيا و استحقاق عقاب الآخرة في عرض معصية العباد كما قال تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [٦]، و قال: وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ* وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [٧].
و بعض هذه الدلالة و التنبيه تكون حاصلة بالأدلّة العقليّة و كيفيّتها مركوزة في
[١] آل عمران: ١٧٩.
[٢] المائدة: ١٠٠.
[٣] الأنفال: ٤٢.
[٤] الكهف: ٣٠.
[٥] الكهف: ١٠٧.
[٦] الجنّ: ٢٣.
[٧] الانفطار: ١٤- ١٦.