تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٤١٥ - الفصل الثامن
ثمّ إنّ القوم أثاروا شبهة يوم السقيفة و تمكّنت من عقول الناس و لو أظهر عليّ دعواه فلا بدّ من إزالة هذه الشبهة، و هذا لا يتمّ إلّا بظهور الفتنة، و لمّا كان ضرر الفتنة عامّا كان دفعها واجبا بالصبر و التحمّل و السكوت.
جواب آخر: لو كان لأحد دين على أحد فإنّ المطالبة به واجبة بأحسن وجه، و ليس بالحرب و القتال، بل الواجب طلب الدين و إن جحده الغريم و إلّا فالصبر إلى موعد القيامة، و لمّا كان عليّ على علم تامّ بأنّ المطالبة بحقّه يجرّ إلى هلاكه و هلاك أهل بيته و كثير من المسلمين المؤمنين و تثور فتنة في الإسلام تأتي على الأخضر و اليابس، فإنّ فرض الجهاد حينئذ يسقط عنه، قال اللّه تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [١].
جواب آخر: اتفق المخالف و المؤالف على أنّ بني هاشم لم يبايعوا أبا بكر طيلة حياة فاطمة (عليها السلام)، و لم يقبل عليّ ولايتهم و لا شاركهم في غزو، و كان كثير المطالبة بحقّه، و ينكر على الصحابة ما فعلوه، و أعانه قوم من أصحاب النبيّ كسلمان و مقداد و عمّار، حيث رووا عن النبيّ أنّ الحقّ حقّه و غيره مبطل، و لمّا عاد الحقّ إلى أهله و ألقي زمامها إلى أمير المؤمنين و أصبحت الخلافة في حوزته و استأصل إليه شأفة عدوّه، لم يتقدّم أحد بالاعتراض عليه أو الردّ بأخذ ما ليس حقّه، و هذا بمجمله دليل على أحقّيّته، و إبطال دعاوى الآخرين، و طلحة و الزبير لم ينكرا حقّ عليّ و لا مرتبته في الدين بل توسّلوا بقتل عثمان فموّهوا على الناس أنّه تمّ بسعي عليّ (عليه السلام)، و ليس كذلك و إنّما هو بإجماع من الصحابة و اتفاقهم عليه، و لو أراد عليّ القصاص مثلا فكيف السبيل إلى قتل كلّ هؤلاء القوم، ثمّ إنّ الذين قتلوه قتلوه بحجّة حتّى قالوا: قتلناه كافرا، كما جاء في نكت الفصول للاصفهاني.
[١] الأنفال: ٢٥.