تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٣٨ - قصّة سعد بن عبادة
تصبّ فيها ممّا يحوشه له أعوانه و أصحابه من غصب أموال المسلمين بالقهر و الغلبة، فجمعوها عنده و خوّلوها إلى ذهب من الدنانير الوفيرة و بائوا بإثم الظلم و التعدّي، و قد قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [١] و قال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [٢].
و لمّا خطفت بصره الدنانير الكثيرة في بيت المال أطلق فيها يده و أنفقها بجملتها على بني أميّة و بني الأعمام و بني الأخوال و الأقرباء، فمكّنهم و قوّاهم بما أعطاهم، و حرم السواد الأعظم من المسلمين من القوت، فانطلقت الألسن بذمّه و ثلبه، فلم يعبأ بذلك و استظهر ببني أميّة، و اتّخذ لنفسه و أسرته حياة الجبابرة من الأكاسرة و الفراعنة، و بذخ بذخهم، فاتّخذ الرقيق من الترك و الروم و الخطا، فاشتراهم من هذه الأموال، و اشترى الخيل و البغال و زينتها، و راح يعدّ العدّة لمديدة و تعدّيه و تغلّبه على الناس.
فأرسل مماليكه إلى نواحي العراق و الحجاز ليجوسوا خلال الديار لكي يحملوا له المراعي و الجبال و الأرض الزراعيّة و يرسموها لديوانه و يوقفوها عليه و على بطانته حتّى ضاقت الأرض على ساكنها، و نادى مناديه: من أراد أن يعلف دابّته في أرض فليأت و ليشتر المرعى منّي، فأقبل الناس لشدّة احتياجهم طوعا أو كرها إلى عثمان و يبتاعون الدغل الذي أنبته اللّه للناس و جعلهم فيه شرعا منه.
و مثله فعل عمر الذي أبطل الزكاة و كان يأخذ المال حيث لم يجب و يتركه حيث وجب، لأنّه كان يأخذه بناءا على طريقة مسح الأرض، و لا تؤدّى هذه الطريقة إلّا إلى ذلك.
[١] الطلاق: ١.
[٢] المدّثّر: ٣٨.